الثلاثاء، 23 يوليو 2013

يا ليت السماء تمطر حبا

يا ليت السماء تمطر حبا فأزداد لك عشقا ويا ليت اﻷرض تثمر إخلاصا فأزداد منك قربا، بعد أن تملك مني العجز وفقدت الرؤية: ﻻ أملك إﻻ التمني. فليذو الجسد عضوا عضوا فلعله يسري في أديم اﻷرض حيث يقنت عابد على قدميه وقوفا، ولتتبخر الروح روحا روحا فلعلها تكون هواء يتنفسها تائب يرجو الخلاص من إثمه، أو تكون آخر زفرات بعد آخر دمعة وآخر لمحة لنفس ترتقي أو تغادر الدنيا.
شفيق شقير
رمضان/ ليلة 23 يوليو 2013‫

معركة القصير السورية: تبعات تدخل حزب الله اللبنانية والاقليمية

مركز الجزيرة للدراسات
معركة القصير السورية: تبعات تدخل حزب الله اللبنانية والاقليمية

آخر تحديث : الأربعاء 08 مايو 2013 10:36 مكة المكرمة

أكد أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله في كلمته بتاريخ 30 إبريل/نيسان 2013 أن انغماس حزب الله عسكريًا في الوضع السوري يعبّر عن توجه استراتيجي هدفه عدم السماح بسقوط نظام الرئيس بشار الأسد(1)، وهذا يضع أعباء إضافية على الحزب الذي عليه أن يعيد تموضعه لبنانيًا وإقليميًا كجزء من استراتيجية تسمح له بالتكيف مع التغيرات التي يتعرض لها عمقه الحيوي السوري والمنطقة(2)، فضلاً عن استعداده الدائم لحرب متوقعة مع إسرائيل، كما عليه في الوقت عينه أن يواجه التطورات الميدانية المتسارعة في الضفة السورية، ووفق إيقاع دقيق يتلازم مع السياسة الإيرانية الكبرى في منطقة المشرق العربي.
معركة القصير.. الظروف والأبعاد
أعلن حزب الله في وقت مبكر تحفظه على "الثورة السورية" وتبنى خطاب النظام السوري في انسجام مع الموقف الإيراني الذي كان أكثر وضوحًا في دفاعه عن النظام السوري. ومع تعاظم حجم وقوة المعارضة السورية في مواجهة الرئيس الأسد، كان وقوف حزب الله إلى جانب النظام في تصاعد مواز حتى بلغ ما بلغه مؤخرًا، من الوقوف معه عسكريًا جنبًا إلى جنب في أكثر من موضع على الأراضي السورية، لاسيما حسب المعلن، حول المقامات الدينية هناك لحمايتها، ولحماية المناطق التي يوجد فيها لبنانيون وتحديدًا على الحدود مع منطقة الهرمل اللبنانية في ريف القصير السوري وهم من "الشيعة"، لأن الدولة اللبنانية يتعذر عليها الوصول للأراضي السورية وحمايتهم وحماية أملاكهم لأسباب شتى.
واتخذت المعركة في ريف القصير منحى تصعيديًا كبيرًا حيث سيطر حزب الله على أغلب القرى السورية التي تقع غرب نهر العاصي، وسقط له فيها قتلى بأعداد أكثر من الوتيرة السابقة (بغضّ النظر عن أعدادهم التي تقدرها مصادر المعارضة السورية بالعشرات، وذهب أمين عام حزب الله السابق صبحي الطفيلي بعد معركة القصير إلى أنهم 138 قتيلاً(3)) ليصبح في مواجهة مدينة القصير، ما يؤشر إلى تعاظم دور الحزب العسكري ميدانيًا في هذه المنطقة؛ الأمر الذي تطلب من السيد نصر الله إطلالة مبكرة في نهاية إبريل/نيسان -وكان من المقرر أن تكون في 9 مايو/أيار(4)- ليوضح فيها عاجلا سبب هذا التطور.
ولمعركة القصير صلة بالأوضاع الأمنية الآخذة في التدهور في دمشق وكذلك في معظم المناطق الحدودية الأخرى مع لبنان، والسيناريو الأكثر ترجيحًا هو أن ينقطع التواصل الجغرافي الآمن بين لبنان وسوريا ما سيؤثر على خطوط التنسيق والإمداد بين حزب الله ودمشق، كما سيضعف من الصلة بين قوى 8 من آذار ونظام الرئيس بشار الأسد. في هذا السياق يمكن قراءة "معركة القصير" بلغة حزب الله على أنها "إجراء وقائي" شبيه بذاك الذي كان في بيروت في 7 مايو/أيار 2008 "لحماية المقاومة"(5) أي حزب الله، واستعادة المبادرة لضخ الأمل مرة أخرى في قوى 8 آذار اللبنانية التي لا يزال النظام السوري فاعلاً أساسيًا فيها(6).
وأحد أهم التداعيات المباشرة على الأرض السورية لتدخل الحزب الأخير، هو المزيد من الاستدعاء من قبل المعارضة السورية للجماعات الإسلامية الموصوفة بالتشدد –كما لغيرها من مسلحي المعارضة- في مواجهة تمدد حزب الله، كي تخلق توازنًا عسكريًا معه في تلك المنطقة على وجه الخصوص، كما فعلت مع الجيش السوري النظامي في مناطق عدة من الجبهات المشتعلة. وهذه الحالة قد يقال: إنها تُغذّى لأسباب لها صلة بالضغط على المجتمع الدولي ووضعه أمام خيارين: تعزز نفوذ "الجماعات المتطرفة" في سوريا أو العمل على نجدة الشعب السوري لقطع أسباب "التطرف"، لكن تبقى هذا الحالة بالدرجة الأولى مطلبًا ضروريًا للمعارضة السورية لتمتين جبهتها المسلحة، لأن هذه الجماعات -إلى جانب حركات إسلامية أخرى- لا تزال تمثل العمود الفقري للمعارضة في أكثر من جبهة، وهي الأشد ثباتًا في الميدان. وهذه الصورة ستكون إحدى أبرز صور النزاع الطائفي في المنطقة "حربًا ضروسًا بين إسلاميين: سنة وشيعة"، وربما ستكون القصير أيضًا البقعة الجغرافية التي قد تغض القوى الغربية البصر عن تسرب "جماعة النصرة" ومثيلاتها إليها، في مقابل تدخل حزب الله لتكون المعركة بين "إرهابيين".
لبنان ومرحلة ما بعد القصير
استقالت الحكومة اللبنانية برئاسة نجيب ميقاتي(7) في 22 مارس/آذار 2013، وانكشف المشهد اللبناني على أزمة تشكيل حكومة جديدة برئاسة تمام سلام، وأزمة إيجاد قانون انتخابي يرضي جميع الأطراف وذلك قبل أن تنتهي المهلة التشريعية للمجلس النيابي في 19 مايو/أيار، حيث يجب على المجلس النيابي أن يقر قانونًا انتخابيًا قبل هذا التاريخ أو أن يمدد لنفسه، وقد لا يسلم هذا التمديد من الطعن القانوني فيه؛ لذا تتصاعد الأصوات المحذرة من الفراغ.
جاءت معركة القصير في هذه الظروف الشبيهة بالفراغ إذا لم يكن الفراغ عينه، وكأن سقوط حكومة ميقاتي إيذان بسقوط آخر ما تبقى من "سياسة النأي بالنفس" التي كانت الحكومة المستقيلة تتخذها شعارًا لها، ولتفتح الباب أمام معادلة جديدة يبادر حزب الله ومن معه لتشكيلها تقوم على أساس جديد في ما خصّ الشأن السوري جوهرُها أن وقوف اللبنانيين إلى جانب النظام السوري، هو مطلب وطني لبناني ومسألة حيوية "للمقاومة" في وجه إسرائيل، وأن وقوفهم إلى جانب الطرف المقابل أي المعارضة السورية، هو وقوف في وجه "المقاومة" -أي حزب الله- وهو لا يزال يتسامح إزاء القوى اللبنانية المؤيدة للمعارضة السورية –خاصة في الجانب العسكري- لأسباب تتعلق بأمن لبنان وظروفه. والمطلوب بالمقابل من الأطراف الأخرى تفهّم حاجة حزب الله هذه وتوفير الضمانات لها في صيغة التشكيل أي للحكومة الجديدة أو في طريقة إدارتها أو من خارجهما وإلا سيتعثر تشكيل الحكومة.
والجدير بالذكر أن إعلان حزب الله عن دوره المتصاعد في سوريا جاء متدرجًا سياسيا، فكان ينفي التدخل المباشر في الأحداث بسوريا، ثم اعترف "بدعم لبنانيين" شيعة في مناطق حدودية سورية مع لبنان للدفاع عن أنفسهم والبقاء في أرضهم، إلى أن اعترف بالتدخل المباشر و"الدفاع عن المقامات الدينية الشيعية" هناك ثم الوقوف إلى جانب الرئيس الأسد، وتبنى خطابا مذهبيا عالي الأدلجة ضد الثوار بوصفهم "إرهابيين" ضد الشيعة، ما ساهم في إقناع شرائح من جمهوره لتكون معه في حربه هذه، فضلا عن تهيئة ما أمكنه من القاعدة الشيعية وكذلك بعض نخبها لتتفهم دوافعه، ومن المحتمل جدًا أن يكون مقدمة لتدخل عسكري أكبر في سوريا، لأنه لم يعهد من الحزب أن يتبرع بالمعلومات حول نشاطاته -خاصة تلك التي يعرف سلفًا أنها ستجعله أكثر عرضة للإحراج- إلا لتصعيد يليها.
وفي مقابل ذلك، خرجت دعوات بالمقابل من الشيخ أحمد الأسير في مدينة صيدا الجنوبية والشيخ سالم الرافعي في مدينة طرابلس "لنصرة الثوار" في القصير والتطوع لمواجهة "الاعتداءات التي يقوم بها حزب الله" والجيش السوري النظامي ضد الشعب السوري، وتبنى كل منهما خاصة مؤيدو الشيخ الأسير كما هي عادتهم، خطابًا مستنسخًا من خطاب حزب الله في بعض صوره، مفاده أنهم يسعون "لحماية اللبنانيين في سوريا والدفاع عن المقدسات لاسيما المساجد التي تُسوّى بالأرض" كما وزعوا شريطًا مصورًا يظهر الشيخ الأسير إلى جانب مقاتلين في القصير وذلك في سياق التصعيد الإعلامي بين الطرفين.
والموقف الذي أعلنه الشيخان اللذان يشكّلان مرجعية محدودة في الشارع السني حتى الساعة، قياسًا إلى الشعبية والنفوذ اللذين يحظى بهما حزب الله في الطائفة الشيعية، لن يلقى إلا تجاوبًا محدودًا فيما خص المشاركة العسكرية إلى جانب "الثورة السورية"، لكنه قد يساهم راهنًا في إرباك خطاب حزب الله وخلق عراقيل محلية في مواجهة قراره التدخل العلني والواضح في الأزمة السورية. وهذا لا يمنع أن موقف الشيخين يلقى ترحيبًا عامًا من قبل السنة في لبنان "كخطاب تصعيدي" ما قد يمهد لعسكرة الطائفة السنية على المدى المتوسط، خاصة إذا لم تستطع القوى السنية التقليدية ذات الخطاب العابر للطوائف، أن تنجح في ضبط حزب الله ووجهة بندقيته.
هذا المشهد بجملته سيكرس استراتيجيات مذهبية في لبنان، وإذا أضيف إليه أن الخلاف حول الثورة السورية ليس محصورًا بالشأن المذهبي إنما يشهد أيضًا انقسامًا سياسيًا بين قوى 8 و14 آذار وعلى أسس وطنية، سيجعل من الانقسام مركبًا ما بين السياسي والمذهبي وسيجعل مواجهة أي استحقاق سياسي في لبنان -مثل تشكيل الحكومة، الانتخابات البرلمانية، وما إلى ذلك- بحاجة لاتفاق شبيه باتفاق الدوحة 2008(8) الذي سقط بسقوط حكومة الرئيس سعد الحريري في 12 يناير/كانون الثاني 2011؛ حيث أثبت الواقع اللبناني منذ الانسحاب السوري من لبنان، أنه لا يوجد ضامن لأي اتفاق بين اللبنانيين لانعدام الثقة بينهم، ولتداخل الإقليمي مع المحلي بصورة عضوية ومباشرة.
دور حزب الله الإقليمي
إن تصاعد العقوبات الدولية على إيران وتعدد محاور عزلها عن العالم أو التهديد بضربها، جعلا طهران أكثر تمسكًا بالأوراق القوية التي تملكها في المنطقة في العراق واليمن وسوريا ومنها لبنان، وعلى صعيد هذا الأخير من الملاحظ أن حزب الله بعد حرب عام 2006 أصبح أكثر اتساقًا في خطابه وأدائه مع خطاب ومتطلبات إيران في المنطقة، وذلك بغض النظر عن التبريرات التي يحاول أن يعطيها أبعادًا تتصل بالمقاومة ومواجهة إسرائيل ومن معها.
إن تعرض الجبهة -سوريا وإيران- التي ينتمي إليها حزب الله للحصار واحتمال ضربها عسكريًا، يتطلب منه التمسك بدوره الإقليمي ولو على حساب الواقع اللبناني أو على حساب علاقاته التاريخية مع نظرائه السنة من الإسلاميين، لأسباب أصبحت مفهومة تتعلق ببنيته "ومشربه المذهبي الخاص" والمرن-الشبيه بمرونة الخطاب الإيراني وقدرته على عكس البعد المذهبي والإسلامي والوطني وفق التحديات- ذي القدرة الفائقة على استثارة الخطاب المذهبي والقفز فوق الإسلامي والوطني عند الحاجة، وكذلك لأنه بنى "مقاومته" نفسها على معادلة إقليمية معقدة جوهرها قراءة إيرانية متعددة الأبعاد، تقوم في بعدها العقائدي الأيديولوجي على ولاية الفقيه، وفي بعدها الجيوسياسي على ظهور عُلو يد إيران على من سواها في الإقليم، وذلك سواء "بالشراكة" مع العرب كما هي علاقتها التاريخية مع النموذج "السوري" أو بدونهم كما هي علاقتها المتوترة غالبًا مع "دول الخليج".
والترابط الإيراني-السوري ومن ورائه تحالف حزب الله مع الرئيس بشار الأسد ليس بالضرورة سيستمر بنفس القوة الراهنة خاصة إذا ما تغيرت الظروف لاسيما وأن طهران تملك مساحة للمناورة. فهناك رؤية إيرانية أخرى في ثنايا خطابها التقليدي تفترض وجود معارضة إصلاحية سورية ضد النظام، وأن إيران حريصة على وقف الدم السوري كي لا يغرق الجميع بحرب أهلية طويلة الأمد؛ لذا هي تقول: إن أبوابها مفتوحة لأي حوار بين المعارضة والنظام لإيجاد حل سياسي، وتأمل أن تفتح في ظل هذا الخطاب علاقات مع أطياف سورية عدة مرشحة لأن تكون فاعلة إذا ما انتهت حقبة الأسد، وتكون أكثر تقبلاً للتحالف معها عند الحاجة.
لكن حاليًا يأتي تأكيد المرشد علي خامنئي المتكرر على أن ما يجري في سوريا هو حرب على إيران نفسها وعلى قوى الممانعة وأن المعارضة المسلحة "تُدعم من الصهيونية وأميركا وبعض دول الخليج"، ليحسم الجدل في أن التحالف الاستراتيجي في الظروف الراهنة مستمر حتى آخر بقعة سورية يلجأ إليها الرئيس بشار الأسد ويرفع عليها العلم السوري.
وفي هذا السياق المتعدد للخطاب الإيراني تتموضع معركة القصير إقليميًا، وتعيد الحديث عن إيجاد جغرافيا آمنة لنظام الرئيس بشار الأسد في حال تدهور الأوضاع في دمشق وانعدام الأمن فيها فضلاً عن سقوطها، وهي المنطقة الممتدة ما بين حمص واللاذقية، وبهذا تكون مطلبًا إيرانيًا وسوريًا وهمزته الواصلة هو حزب الله والقرى الشيعية الحدودية في ريف القصير أو قُل: غرب نهر العاصي، لأن تعثر الصلة بين القاعدة الخلفية لحزب الله في منطقة الهرمل اللبنانية وجوارها والامتداد السوري، ستخلق أوضاعًا لوجستية صعبة لحزب الله، لمواجهة أية تطورات خلال هذه المرحلة الراهنة على الأقل التي قد تتطلب منه مددًا مستمرًا من السلاح، لاسيما في حال تجدد المواجهة العسكرية مع إسرائيل بشكل واسع لأي سبب، وكذلك في حال تعرض إيران لأية ضربة عسكرية قد تتطلب من الحزب أن يكون جزءًا من الرد، فضلاً عن استمرار قوى التحالف الإيراني-السوري في لبنان، أي قوى 8 آذار.
وجاء تقدم حزب الله نحو ريف القصير لما يؤمّنه من حاضنة شيعية خالصة وقاعدة ولو محدودة لحزب الله داخل الأراضي السورية تعزز قدرته على المبادرة، ولما قد يوفره من الدعم المتبادل مع النظام السوري إذا ما استقرت المحاور العسكرية بين النظام والمعارضة لتصبح حربًا أهلية طويلة، فيحافظ الحزب على مكاسبه السياسية واللوجستية في لبنان، ويصبح الانقسام اللبناني في هذه الحالة مشدودًا بالكامل إلى الانقسام السوري.
كما أن التقدم نحو القصير يشكّل استجابة لضرورة المرحلة إذا ما كانت المنطقة الحدودية اللبنانية السورية مقبلة على التدويل، بما يقطع الصلة بين لبنان وسوريا على حزب الله ومؤيديه، وهناك سيناريوهات متعددة قد تشبه بنتائجها -وليس بالضرورة بأسبابها- ما أسفرت عنه حرب 2006 مع إسرائيل وتم بموجبها إبعاد حزب الله إلى ما وراء شمال نهر الليطاني (9)، وبالتالي إبعاده في هذه الحالة بعيدًا عن الحدود مع سوريا.
استنتاجات
إن كل الاحتمالات التي قد تؤول إليها الأزمة في سوريا تتقاطع عند حزب الله بضرورة الإسراع بإعادة التموضع عسكريًا في لبنان مع محاولة الاحتفاظ برصيده السياسي مع حلفائه وكذلك الحفاظ على حاضنته الشعبية، والتركيز على زيادة مخزونه العسكري في لبنان وتطوير دوره العسكري في سوريا بطرق مختلفة، لثقته بأن الاضطرابات في سوريا ستستمر طويلاً سواء أسقط نظام الأسد أم صمد لمدة أطول، بنى دويلة أم لجأ لجغرافيا آمنة، بقيت سوريا موحدة أم تقسمت، والعراق شاهد على هذا التحليل فهو أكثر تماسكًا من سوريا القادمة ولا يزال مضطربًا وساحة لكل الأطراف.
ولكن هناك احتمال واحد يستبعده حزب الله ومن ورائه إيران، وربما هو الوحيد الذي يحد من دورهما الفاعل في سوريا، ألا وهو قيام دولة سورية متماسكة من جديد بصيغة ما أو باتفاق دولي أو إقليمي ما، دون أن يكون لهما يد فيه، وهو ما يؤكده حزب الله مرارًا بأن الحل في سوريا هو سياسي ولن نتخلى عنها، أي يجب أن نكون جزءًا من الحل ورعاته.
والخلاصة من معركة القصير أنها افتتحت دورًا إقليميًا جديدًا لحزب الله في سوريا، سيضعه في سياق جبهتين عسكريتين الواضح منهما: أن إحداهما دفاعية في مواجهة إسرائيل ولا تخفى مبرراتها الوطنية اللبنانية، وأخرى هجومية ضد المعارضة السورية، وهي تختزن أبعادًا وحسابات طائفية -لبنانية وإقليمية- رغم كل الحديث عن وجود أبعاد أخرى قد تتصل "بالمقاومة" ودورها في المنطقة.
وأضافت هذه المعركة لبنانيًا معضلة أخرى ووظائف أخرى لسلاح حزب الله في لبنان؛ فمشروعية سلاح حزب الله بعد معركة القصير لم تعد مرتبطة بحماية لبنان من إسرائيل أو بحفظ أمن اللبنانيين من عدوانها فقط، بل بأمن "الشعب اللبناني" في سوريا أو حيث تتخلف الدولة عن حمايتهم، وعلى الاستراتيجية الدفاعية اللبنانية المطروحة بين قوى 8 و14 آذار أن تلحظ ذلك.
إن قدرات حزب الله العسكرية حيث تتوجه فإنها تكرس أعرافًا سياسية جديدة ستزيد من صعوبة التحاور بين الأطراف اللبنانية المتنازعة، وستزيد من ربط الأزمة اللبنانية خاصة إذا ما توسع مفهوم "حماية المقاومة" بالأزمات في الإقليم، بدءًا من سوريا مرورًا بالعراق وصولاً إلى إيران.
___________________________________
شفيق شقير - باحث متخصص في المشرق العربي والحركات الإسلامية
الهوامش
1- قال السيد حسن نصر الله في خطابه هذا بكل وضوح: إن "أصدقاء سوريا، الإقليميين والدوليين، لن يسمحوا بسقوطها بيد أميركا أو إسرائيل أو الجماعات التكفيرية". ويمكن العودة لخطابه على الرابط أدناه:
http://www.youtube.com/watch?v=wGsGF0CJ5tE
2- حول إعادة تموضع الحزب لبنانيًا وإقليميًا، انظر: حزب الله: الدور في سوريا وانعكاساته اللبنانية، 8 نوفمبر/تشرين الثاني 2012، مركز الجزيرة للدراسات.
http://studies.aljazeera.net/reports/2012/11/201211881910626271.htm
3- ذهب الأمين العام السابق الشيخ صبحي الطفيلي، والذي على خلاف مع السيد نصر الله، في مقابلة متلفزة بتاريخ 24 إبريل/نيسان 2013 إلى أن خسائر حزب الله في سوريا تصل إلى 138 قتيلاً. يمكن الاطلاع على المقابلة على الرابط أدناه: http://www.youtube.com/watch?v=_ArI6SdQDJ8
4- أوساط حزب الله أعلنت مسبقًا أن السيد نصر الله التقى خامنئي في إيران وأنه سيكون له إطلالة على جمهوره في 9 مايو/أيار احتفاء بذكرى تأسيس وسيلة إعلامية تتبع للحزب. انظر موقع النهار نت على الرابط التالي: http://www.naharnet.com/stories/ar/80214
5- شهد لبنان في 7 مايو/أيار 2008 انتشارًا عسكريًا واسعًا سيطر من خلاله حزب الله على أجزاء واسعة من بيروت وضواحيها بهدف حماية شبكة الاتصالات الخاصة بحزب الله "وحماية المقاومة".
6- التقى الرئيس بشار الأسد وفدًا يمثل "الأحزاب اللبنانية" وتحديدًا قوى 8 آذار في 21/4/2013، وذلك بالتوازي تقريبًا مع التصعيد العسكري في ريف دمشق والقصير.
7- انظر استقالة الحكومة اللبنانية، موقع الجزيرة نت،
http://www.aljazeera.net/news/pages/91809f9a-441a-4b51-a31b-5343527412c4
8- أفضى اتفاق الدوحة الذي عُقد بين 16-21 مايو/أيار 2008، بقوى 8 و14 آذار اللبنانية إلى انتخاب رئيس جمهورية جديد، قائد الجيش ميشال سليمان، وإقامة انتخابات برلمانية جديدة، وإلى تشكيل حكومة برئاسة سعد الحريري. يمكن الاطلاع على بعض وثائق الاتفاق على الموقع الرسمي له، على الرابط الآتي:
http://www.qatarconferences.org/lebanon/
9- انتهت حرب يوليو/تموز 2006 بقرار مجلس الأمن الدولي 1701 الذي نص فيما نص عليه إضافة إلى "إنهاء العمليات القتالية"، أن تنسحب قوة حزب الله إلى شمالي نهر الليطاني وانتشار الجيش اللبناني هناك.

الأحد، 11 نوفمبر 2012

حزب الله: الدور في سوريا وانعكاساته اللبنانية

شفيق شقير
آخر تحديث : الخميس 08 نوفمبر 2012 14:43 مكة المكرمة




اتكاء المقاومة على محور الممانعة وسوريا منه، يتناقض مع سياسة النأي بالنفس للحكومة اللبنانية(الجزيرة)

أثار اغتيال وسام الحسن رئيس فرع المعلومات -أحد أهم الأجهزة الأمنية اللبنانية- بعد توجيه أصابع الاتهام نحو النظام السوري، الأسئلة الصعبة في لبنان، أهمها صعوبة التوفيق بين سياستين وإستراتيجيتين تعتملان في قلب الحكومة اللبنانية، مع التنويه إلى التفاوت في مقدار شرعية وقبول كل منهما، سواء في الإطار الرسمي أو غير الرسمي.
 
الإستراتيجية الأولى، وهي التي قامت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي على أساسها، والمعروفة بسياسة النأي بالنفس عما يجري في سوريا بغية تجنب تأثيراتها السلبية على لبنان، وأصبحت هذه السياسة المرجع الأساس الذي تحاكم سياسة الحكومة الداخلية والخارجية على أساسه، مع تجاهل كل ما يجري بخلافها على غير الصعيد الرسمي.
 
أما الإستراتيجية الثانية، فهي الإستراتيجية الدفاعية التي طرحها حزب الله وتقوم على معادلة ثلاثية يصفها أنصارها بالذهبية، وتقوم على قوة "الجيش والشعب والمقاومة"، وهي السائدة فعليًّا في الواقع اللبناني وتحظى بمراعاة شديدة في كثير من أجهزة الدولة، وإن كان البعض يجادل في شرعيتها.
 
ويكمن جوهر التناقض بين الإستراتيجيتين في العنصر الأخير من هذه الثلاثية، أي المقاومة؛ فقد تُرجم هذا العنصر محليًّا لدى حزب الله وأنصاره بما سُمي محور المقاومة وتظلّل بقوى الثامن من أيار/مايو، إلا أنه في الحقيقة هو الذي ربط لبنان إقليميًّا بما يُسمى محور الممانعة والذي تُشكِّل سوريا قلبه إذا استثنيت إيران في هذا المقام. فكيف يمكن النأي بالنفس عما يجري في سوريا وهي حاضرة في ما يسميه حزب الله إستراتيجية لبنان الدفاعية؟ فسوريا بهذا الاعتبار هي جزء لا ينفصل عن "المقاومة" ببعدها المحلي والإقليمي.
 
حزب الله و دور إقليمي متصاعد
يضع حزب الله التخلي عن سوريا في مربع التخلي عن أحد أهم أسباب قوة المقاومة التي جُرِّبت سابقًا، ولا يزال يبرر وقوفه إلى جانب النظام السوري بأسباب عدة، أبرزها بحسب ما يثيره مقربون منه، حاجته إلى الحفاظ على "سلاح المقاومة" راهنًا، لاسيما الثقيل منه، والذي يرى بعض هؤلاء أنه مخزَّن في سوريا، وتحديدًا في مناطق جغرافية قريبة من الحدود اللبنانية.
 
ولم يعد الحزب حريصًا جدًّا على إخفاء أن عناصره تنشط في الداخل السوري استخباراتيًّا وعسكريًّا بمستويات عدّة ولأهداف كثيرة، منها الحفاظ على المواقع التي تشكّل أهمية إستراتيجية لعمل "المقاومة"، سواء على صعيد حفظ مخازن الأسلحة الثقيلة، أو حفظ طرق الإمداد، إضافة إلى رعاية بعض القرى الشيعية السورية الاثني عشرية وحماية المصالح المرتبطة بهذه الأقلية، خاصة وأن سوريا ستقع في فوضى كبيرة على إثر سقوط نظام الأسد، مما يتطلب تدخلاً مباشرًا يتجاوز السلطة التي قد تقوم وسط هذا الركام.
 
ويقوم التقدير السائد لدى إيران وحزب الله في بعض وجوهه على أن الساحة السورية ستكون شبيهة بالساحة العراقية والساحة اللبنانية إبّان مرحلة الفوضى التي مرّ بها البلدان؛ ما يعني أن الظروف ستسمح بتعدد الفاعلين المحليين والإقليميين. وسيكون على الحزب وفق أحد السيناريوهات أن يمد نفوذه الإقليمي إلى سوريا، وقد يصبح -بحسب بعض المتخوفين- قريبًا من حدود الأردن -ومن بعده الخليج- ثم تركيا، فيكون النفوذ بهذا القرب من قلب الإقليم -مهما كان متواضعًا- ذا فعالية مضاعفة، فيعوض الحزب ما خسره زمن سقوط الأسد، ببعض ما قد توفره له الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار من بعده.
 
وقد وفّرت إستراتيجية الأسد للدفاع عن حكمه أساسًا يمكن للحزب أن يبني عليه في هذا الشأن، حيث تشي خريطة الأحداث على الأرض بأن الأسد سمح لعدة لاعبين بتعزيز نفوذهم ميدانيًّا على الأراضي السورية ليكونوا في مواجهة الأكثرية السكانية السورية حاضرًا ومستقبلاً، وكذلك ليكونوا في مواجهة الثورة حتى وإن لم يكونوا في الأصل من أنصاره. وكجزء من هذه السياسة يبدو أن نظام الأسد سمح لحزب الله -وسواه- بإنشاء ما يشبه المناطق الأمنية الخاصة به ليحمي عمقه الحيوي، سواء بالتعاون مع الأجهزة السورية أو وحده إذا ما اقتضى الأمر.
 
الخلاصة، وفق هذا التحليل، أن حزب الله سيزيد من الجرعة الإقليمية في توجهاته، ما سيبعده أكثر عن جذوره المحلية وعن خطابه المألوف سياسيًّا وثقافيًّا، ليلبي حاجة إيران الإقليمية المتزايدة كورقة ضغط فعالة، تكون على مستوى التحديات التي تواجهها في صراعها على جبهات متعددة مع عدة قوى إقليمية وعربية ودولية.
 
انعكاس سياسة الحزب على لبنان
أخذًا بالاعتبار هذه السيناريوهات، ووفقًا لإيقاع التحولات التي تشهدها الساحة السورية هناك تقدير بأن حاجة الحزب الآنية لإطلاق حوار وطني في لبنان ستتضاعف، لصالح البحث عن وضع يسمح بحفظ الأسلحة الثقيلة والمنظومة المتعلقة بها التي ينقلها أو نقلها من سوريا إلى لبنان. ويعني ذلك في المقام الأول خلق مناطق أمنية جديدة في لبنان، بما يوفر ظروف حمايتها لأطول مدة وأبعد مدى ممكن. وتحقيقًا لهذه الغاية غير المعلنة ووفق هذا المنطق، من المنطقي أن يلجأ حزب الله إلى إطلاق حوارات ثنائية صريحة متعددة مع أكثر من طرف، ولا يُستبعد أن التطورات اللاحقة ستدفعه لإحياء "طاولة الحوار الوطني" بجدية أكبر بغية مناقشة "الإستراتيجية الدفاعية"، لكنه سيحرص في نهاية المطاف على أن تكون وفق معاييره هو لا غيره.
 
حينئذ، لن يخلو "الحوار" من بعض التوتر السياسي والأمني، ولن يتردد حزب الله في استعمال السلاح -كما يخشى خصومه- ليفرض حقائق ورؤى تكرّس حدود المعادلة السياسية الجديدة في لبنان، ومفادها أن بناء الدولة اللبنانية يجب أن يأخذ بالاعتبار أن "سلاح حزب الله وطموحاته الخاصة" هي في الحقيقة "مسألة وطنية"، بل هي "سلاح المقاومة وطموحاتها" التي تحمي لبنان كل لبنان، والحزب والمقاومة أمرهما واحد.
 
وبذلك، فإن هذا الحوار الذي يجري تحت ضغوط أمنية وسياسية، سيكون بالنسبة إلى حزب الله توجهًا بديلاً عن إشعال حرب أهلية لبنانية جديدة يخسر فيها الجميع، وقد تقبل به أو ببعضه، بعد المساومة، أطراف لبنانية وربما إقليمية أيضًا.
 
مقتل الحسن ومسار الحوار
جاء اغتيال وسام الحسن في أعقاب هذه الأجواء المشبعة ببعض إيجابيات الحث على الحوار الوطني الذي التزمه رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان، والخوف لدى قوى الرابع عشر من آذار من السلبيات الذي قد تصاحبه، ليعزز قراءتين مختلفتين تكادان تشكّلان نمطًا واحدًا لفهم أية مستجدات أمنية لبنانية:
  • أولاهما: أن حزب الله سيستفيد من مقتل شخصية توازي إلى حدٍّ ما بأهميتها الأمنية رفيق الحريري في أهميته السياسية، وأن فريق الراحل وسام الحسن سينضم إلى طاولة الحوار وقد نُزِعت منه أهم ورقة كانت قد لعبت دورًا أساسيًّا في تتبع عورات كل معادلات قوى الثامن من آذار القائمة على التحالف مع سوريا. منها تلك الضربة الأخيرة التي كشفت تورط الوزير السابق ميشال سماحة في مخطط تفجيري وفق التسريبات الأمنية اللبنانية.
  • ثانيهما: أن حزب الله أمام توقيت سيء جدًّا فرضه مقتل الحسن، وسيشكّل عقبة حقيقية أمام أية مبادرة منه لإطلاق حوار يسمح له بإعادة التموضع محليًّا بما يتلاءم مع التحديات الإقليمية التي تواجهه سواء على المسار السوري أو الإيراني. وبهذا الاعتبار فإن الاغتيال أضرّ بحزب الله كما بسواه.

ولكن هاتين القراءتين تلتقيان -عند فاقدي الثقة بحزب الله- عند نقطة واحدة إذا ما أُخذت بالاعتبار التجارب السابقة، ألا وهي أن لبنان مقبل على "دبلوماسية قهرية" يمارسها الحزب بغرض تأمين بيئة صديقة له على الأراضي اللبنانية لتقبل الأطراف المعارضة بالمعادلة الجديدة ولو على مضض. وسواء عُقدت طاولة الحوار الوطني اللبناني اليوم أو بعده، فإن الحزب بحاجة على المدى القريب إلى إستراتيجية عاجلة تسمح له بالتكيف مع ما تعرض له عمقه الحيوي السوري من تشوهات، كما بحاجة على المدى المتوسط إلى إستراتيجية جديدة بالكامل يستغني بها عن العمق السوري، ليخلق عمقًا جديدًا داخل الأراضي اللبنانية مع توفير ما يحتاجه من متطلبات ثقيلة تسمح له بالاستمرار والنمو، وأن لا يخسر حاضنته الشعبية داخل المجتمع اللبناني.
 
خاتمة
وعلى العموم هناك إدراك لدى جميع اللاعبين داخل لبنان بأن إستراتيجية حزب الله المعتمدة حتى اللحظة هي المزيد من ربط العمق اللبناني بالعمق السوري باعتبارهما عمقًا إقليميًّا مترابطًا عسكريًّا وسياسيًّا بما يتجاوز الدولتين إلى سواهما. ولا يعني هذا بالضرورة جرّ لبنان إلى حرب أهلية، لكنه يتعلق حتمًا بالأوراق التي يمكن أن يكون لها تأثير على نتائج أي حوار سوري مقبل، سواء كانت أوراقًا تتصل بالبعد العسكري أو السياسي، وسواء كان ذلك على الصعيد الإقليمي أو الدولي. فمسار الحوار السوري سيحدد شكل طاولة حوار وطنية لبنانية ستقوم على أنقاض الطائف الذي سيسقط بسقوط أهم عرّابيه، ألا وهو النظام السوري.
لهذا تحرص الأطراف اللبنانية جميعًا على الاستعداد للانعكاسات التي قد تترجمها أية اتفاقات جديدة في سوريا لمرحلة ما بعد الأسد. وإن تكرار طائف جديد في سوريا أو الخروج عليه، سيجعل من طاولة الحوار اللبنانية، طاولة حوار إقليمية وربما دولية تبحث عن اتفاق آخر.
_______________
*باحث في شؤون المشرق العربي والحركات الاسلامية
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات.

الأربعاء، 11 يناير 2012

ناشدتك الله عد لي وابتسم

سئلت عن حقيقة أمرك وهل لك لذة حقا؟ لم أجد لهذا الجواب إلا بضع كلمات من ذكرى...
***  ***

 البسمة في عينيك، ألطف ما رأيت.. ناشدتك الله لي ابتسم.

يا أيها الطيب أين أنت مني، هل آذيتك بصمتي، أم أني عاجلت بالخصام معك لخصامي فيك.

ما الذي حدث، كيف تعود إلي..؟

اشتقت إلى نار مدفأتك وأنا متدثر بصقيع ذنبي، اشتقت إلى لمستك الحانية التي كنت بها تنتزع  مني هموم النهار وتطرد وحشة الليل.

أريدك كالأيام الخوالي تقتحم أحلامي وخيالي، وتتقمص جوارحي وأنفاسي، حتى أعلم أنك أنا وأنت واحد متداخل لا بينونة بيننا ولا خلال، ولكن واحد واحد، أذوب فيك وأملي أن أكون حيث تكون.  

أين أنت من فؤادي المفجوع بما آثرته جوارحي من بعدك، أين أنت من أسى أمطرته غيوم قهقهات المتألهين بالدنس، لن أكذب لو قلت لك أن مشاعر الغضب في عروقي تقول إنك لن تعود.. فهل ستعود؟.

أخبرت عنك ايها الطيب أنك لا تفارق محب، وأنك لا تهجر مجد، وهذا ما يخيفني، أني محب ولكن هيهات مني الجد وهيهات..!

حاصرني جلال جمالك فيما مضى وأسكرتني الخلوة بك حتى رأيت العالم صغيرا لا يسع عالمك، أدركت لذة قربك فتضاءلت ما دونها كل لذة في الدنيا.

سمعت صوت هدوئك وعلا على كل صخب الدنيا، وقذف في قلبي المفتون كل معان العشق والهوى. وها هو اليوم أرداني بهجري فما لي من طاقة بعد بعدك. إرجع مرة أخرى، ليلة واحدة، لحظة واحدة، لعلي أدفن فيها كل ما تبقى من جيفة الجسد.

كنت حرا بك، وكان الموت والحياة وجهان من وجهك، أما آن للعبد أن يعتق، وأن يكون موته قيامة لا عدما، وحياته أملا متصلا لا سديما متراكبا.. بالله عليك يا أيها الإيمان عد وابتسم.
شفيق شقير/ابوالحسن

الأحد، 8 يناير 2012

زمن منفي من التاريخ.. قبل الثورة وبعضا مما بعدها

زمن منفي من التاريخ، يتدلى الصمت حول مآقيه، يحجب عبرات العين، يكتم نشيج الصوت.

أخرجه الغطاسون صيادوا اللآلئ خطأ من غيابات البحر.

مدحه الشعراء بكلمات بعد أن استهلك الجمال كلماتهم، وكأن الكلمات ستخلق من طينه المجبول بسواد الظلام كهيئة القصيدة، أو لعلها تنفخ فيه روح معلقات العرب بعد أن سكنته روح "من ما قبل ومن ما وراء العرب".

لما افتقرت الصحراء للشجر اليابس في الشتاء، استدفأت بنار أوهامه تحت شجرة النخيل.

واحتمت بخيوطه البلهاء يمن سبأ لما عجزت عن بناء  سد يستدر ماء الحياة من السماء ويقيها سيل الموت في الأرض.

ولما تكسرت قنا الشام ورقدت سيوفها كليلة عليلة، تسلحت بقرع قعقعاته وهي تلامس جدران الهواء وخيالات الكهف.

ولما غابت النجوم والشمس والقمر، وأصبحت الأرض صعيدا واحدا لا شمال فيها ولا جنوب، حملته مصر على أكف شبابها وهي تعزف ألحان التيه، ألحان وأد الطبول وإيقاظ حفار القبور.

وقد استمزج المغرب غروب الشمس وراء بحره الأعمى، فجرى يسابقها في المغيب وهو يتمتم: "لا يهم ما في الغيب بعد المغيب".

ولا زالت بلاد السوادان في حداد أسود يناجي هذا "الزمن الأبيض" الذي استل لونه من برودة الموت وعظام الموتى.

إنه زمن منفي من التاريخ، ولكن هناك من يفنى يوما بعد يوم ليكون جزء من تاريخه، كالفراشة التي تستظل بالنار وهي بها تحترق.

هو زمن منفي من التاريخ، يسمع قرع نعال أهله وهم ينفضون عنه، وقد تدثروا بكفن أبيض وتعلو جبينهم قبضات حمراء، تنتفض لتصنع تاريخها.
Chafic Choucair

الخميس، 24 نوفمبر 2011

لبنان وسوريا نحو معادلة جديدة وتداعيات إستراتيجية

شفيق شقير
إن العلاقة بين لبنان وسوريا ليست مجرد معادلة سياسية فقط، بل هي عمق اجتماعي وثقافي فضلا عن السياسي والأمني، لذا يجب الأخذ بالاعتبار في الأيام القليلة المقبلة أن المعادلة التي تحكم علاقة لبنان بسوريا إلى تغير، ولكن ضمن نفس الإطار الواسع الذي يجمع البلدين في إقليم واحد، وضمن علاقة تبادلية لا فكاك منها. والتغيرات المتوقعة على العموم كثيرة، ولكن تذكر الورقة اثنين فقط، باعتبار أنهما الأهم في السياق السياسي الحالي.

الأولى: التحالفات وعمقها المتجاوز للسياسة
لا حاجة للعودة للتاريخ والجغرافيا والاجتماع لتأكيد أن كل من لبنان وسوريا يشكل خاصرة رخوة للآخر بقدر ما يرتبط كل منهما بالآخر، وأن كل من البلدين يحتاج إلى حليف له ليشد من قوة هذه الخاصرة حتى لا يؤتى من قبلها. ومن هذا التفكير تمت صياغة الحتمية السياسية التي تحكم العلاقة بين البلدين أن استقرار حكم الحاكم في دمشق يكون بقدر استقرار الحكم له في بيروت، وأن استقرار حكم الحاكم في بيروت يكون بقدر الرضى الذي يناله من دمشق.
وبحسب العقل الإقليمي الذي يحكم المنطقة حكاما ومعارضة، إن أي تغير في المعادلة القائمة لا يخرج كثيرا عن هذا السياق، نعم ربما تنقلب الأدوار في يوم ما عكسيا ما بين حاكم بيروت وحاكم دمشق بحسب "قوة" أو "ضعف" أي منهما إقليميا أكثر من الآخر، ولكن بحسب المسار القائم الآن يبدو أن هناك تغيرات بدات ملامحها تتضح كلما ازدادت الأوضاع تدهورا في سوريا، لتتجه نحو صياغة توازن نسبي بين البلدين وفي البلدين، وكأن المعادلة الجديدة تتجه لأن تقول:
كما أن للنظام السوري حلفاء في لبنان وعلى رأسهم حزب الله وهو من هو، إن للمعارضة اللبنانية حلفاء في سوريا ألا وهي الثورة السورية وهي تمثل ما تمثل.
وتتميز المعادلة الجديدة بتكافؤ الطرفين في كون كل منهما قاطرة لمجموعة من المصالح والتوجهات الإستراتيجية الإقليمية والدولية والخيارات السياسية والطائفية، وأن كلا منهما يقف على أرض خصبة تنبت ما شاءت من الفرص لأصحابها للتدخل مستقبلا في الشأن السوري إلى أبعد الحدود، أو لإدارة الوضع اللبناني بما تمليه المصلحة العابرة لحدود البلدين إزاء بعضهما البعض.
والمعركة السياسية حاليا وسابقا (منذ الطائف إلى حد ما) يصح وصفها من بعض الوجوه، أنها كانت معركة بعض قوى هذا االإقليم الذي يتشكل منه لبنان وسوريا، حتى أن الصراعات التي أنتجت لبنانيا قوى 8 و14 آذار هي صراعات كانت موجودة في الأساس بين فريقين في مركز الحكم في دمشق، فريق هزم شر هزيمة وأقصي ومن معه عن السلطة ومراكز التأثير في بيروت ودمشق وتزامن معه أو جاء في سياقه مقتل الرئيس الحريري (وكان الحريري خلال بعض مراحل الفترة السابقة  أشبه بوزير خارجية لبنان وسوريا)، وفريق آخر انتصر واستأثر بالحكم مع مجيء الرئيس بشار الأسد.
ومع استمرار هذا الترابط في المسار والمصير الذي حكم الحقبة الماضية وخدم الحكم في دمشق حينها، فإن المعارضة الحالية في الإقليم (في لبنان وسوريا)، تعمل وفق الترابط نفسه ليساعدها على إعادة صوغ خطابها وتطويره ليشكل ردا على جبهة الحاكمين في سوريا ولبنان، عمادها الأخلاقي أدبيات "الثورة والحرية" في وجه أدبيات "الممانعة"، وخوض معركة واحدة لإسقاط مواقع الحكم في الإقليم (سوريا ولبنان) باعتباره ساحة واحدة في بلدين، وكأننا نستعيد مقولة أن شعب لبنان وسوريا شعب واحد في بلدين، مع ما لهذه المقولات من استدعاءات لتحالفات إقليمية في السراء والضراء.

الثانية: المبادئ أبعد من السياسة
من المستحيل على أي قوة أن تدافع عن الحكم السوري وما في آدائه من مثالب بداعي الدفاع عن المعادلة السياسية القائمة في المنطقة دون أن تسقط أبعادا أخرى، لا تقل أهمية عن البعد السياسي لا بل قد تفوقه أو هي أسه في حقيقة الأمر.
ربما لهذا بادر بعض حلفاء الحكم في سوريا – الإستراتيجيين وحملة المبادئ منهم على وجه خاص- إلى إسداء النصح والإرشاد له- على استحياء ودون إنكار- كي لا ينسب إليهم كل ما يقرره أو يقوم به من أعمال وسياسات تجاه الداخل أو الخارج وتتناقض مع القيم والمبادئ التي يعلنونها، خاصة بعد أن طالت الأزمة السورية وكثرت أخطاء أجهزة الحكم السوري التي إن استمرت دون إنكار من قبل الحلفاء، فإنها ستسقط كل أخلاقيات السياسة والساسة في لبنان والمنطقة جميعا.
وفي هذا السياق من المفيد التذكير بالموقف نفسه، وبالحرج الذي تفطن إليه مبكرا الحليف التركي لسوريا حينها، وهو من أصحاب التوجهات الأخلاقية في الحكم على الصعيد المحلي والإقليمي، فهذا الحليف وجد نفسه ملزما بتأدية دور الناصح للحكم في سوريا كي لا يتشارك معه المسؤولية عما قد لا يرضى عنه المجتمع الدولي والشعوب العربية -خاصة بعد تجربة مريرة مع ليبيا- لا بل الشعب التركي نفسه(وحتما كانت ستتضرر منظومته الأخلاقية)، وتلقت أنقرة بسبب هذه السياسة اتهامات لا بل شتائم شتى من قبل حلفاء الحكم السوري في لبنان، قبل أن يعودوا لممارسة نفس الدور.
ويبدو أنهم جميعا اليوم، تركيا حليفة سوريا بالأمس وغريمتها اليوم، وحلفاء اليوم في إيران ولبنان، باتوا يدركون أن العلاقة ما بين سوريا وجوارها أبعد من السياسة، وأنها ساحة اختبار لكل الأخلاقيات والشعارات التي يحملونها.
ومن المستبعد أن ترد سوريا على هؤلاء الواعظين من حلفائها بالسوء، لأنهم على عكس تركيا لم يتركوا مسافة بينهم وبين الحكم السوري بل التصقوا به، ولكن "مصداقية" المبادئ التي يحملونها والتوجهات التي تميزهم وتبرر وجودهم ستكون على المحك، لأن القضية ليست اختبارا لمدى "الصدق مع الحليف" السوري، بل هي اختبار لمدى "الصدق في المبادئ والقيم والشعارات" التي عرفوا بها ودفعوا الغالي والنفيس من أجل تكريسها، وهذا لن يمر بدون خسائر معنوية وأخلاقية في صفوف هؤلاء الحلفاء، وذلك بغض النظر عن حقيقة الوضع السياسي القائم في سوريا الآن وأهدافه، أو عما سيؤول إليه وسيصب في مصلحة من، لأن السقوط الأخلاقي للسياسة في منطقتنا لا يماثل في نتائجه السلبية وتداعياته أي سقوط آخر في أي منطقة أخرى، فالمقاومة والممانعة فيها تقوم بالدرجة الأولى على اللحم الحي والصدور العارية وعلى قيم حديدية غير قابلة للجدل أو النقاش. ا.هـ

الخميس، 6 أكتوبر 2011

توبة بثورة، صفر جاور الحق فصار أمره أمرا

أن تكون رقما على جدار أخرس،
أن تكون سطرا في نص أبكم،
أن تظن أنك تكون وأنك لا تكون.
أأنت عبء ألقاه فائض من الدهر على فائض من الحياة،
أأنت تراب حملته ريح فلا استقر في أرض أو قر في سماء.
يأتي الجواب من أقصى المدينة يسعى،
يا قوم كنت صفرا جاور الحق بالحق فصار أمره أمرا،
أرى صقرا أصغى لصوتي المكلوم فسمعه أهل الأرض:
أنا طفل لا زالت حقيبتي على ظهري ولم تسقطها أسفارهم،
أنا أم وأب وما شئت من الخليقة لا أحمل رصاصة بجيبي،
بكت السماء يوما يأسا من يأسي، وفارقت جباها أدمنت أديم الأرض،
أرى اليوم ثغر السماء باسما وتسقي عبراتها شموع الحقول،
وتستعير البلقع عظام جسدي لتنهض بفرح الحياة،
ألا تلحظ عيون العشاق ترقب قمري المخضب بدم اليقين:
تترقب بداية شهور واكتمالها برؤية ثورة وولادة أخرى،
فأنا أموت لتحيا ثورة وأحيا لأرى أخرى فماذا بي تفعلون. 
-انتهى-
شفيق شقير