الأحد، 11 نوفمبر 2012

حزب الله: الدور في سوريا وانعكاساته اللبنانية

شفيق شقير
آخر تحديث : الخميس 08 نوفمبر 2012 14:43 مكة المكرمة




اتكاء المقاومة على محور الممانعة وسوريا منه، يتناقض مع سياسة النأي بالنفس للحكومة اللبنانية(الجزيرة)

أثار اغتيال وسام الحسن رئيس فرع المعلومات -أحد أهم الأجهزة الأمنية اللبنانية- بعد توجيه أصابع الاتهام نحو النظام السوري، الأسئلة الصعبة في لبنان، أهمها صعوبة التوفيق بين سياستين وإستراتيجيتين تعتملان في قلب الحكومة اللبنانية، مع التنويه إلى التفاوت في مقدار شرعية وقبول كل منهما، سواء في الإطار الرسمي أو غير الرسمي.
 
الإستراتيجية الأولى، وهي التي قامت حكومة الرئيس نجيب ميقاتي على أساسها، والمعروفة بسياسة النأي بالنفس عما يجري في سوريا بغية تجنب تأثيراتها السلبية على لبنان، وأصبحت هذه السياسة المرجع الأساس الذي تحاكم سياسة الحكومة الداخلية والخارجية على أساسه، مع تجاهل كل ما يجري بخلافها على غير الصعيد الرسمي.
 
أما الإستراتيجية الثانية، فهي الإستراتيجية الدفاعية التي طرحها حزب الله وتقوم على معادلة ثلاثية يصفها أنصارها بالذهبية، وتقوم على قوة "الجيش والشعب والمقاومة"، وهي السائدة فعليًّا في الواقع اللبناني وتحظى بمراعاة شديدة في كثير من أجهزة الدولة، وإن كان البعض يجادل في شرعيتها.
 
ويكمن جوهر التناقض بين الإستراتيجيتين في العنصر الأخير من هذه الثلاثية، أي المقاومة؛ فقد تُرجم هذا العنصر محليًّا لدى حزب الله وأنصاره بما سُمي محور المقاومة وتظلّل بقوى الثامن من أيار/مايو، إلا أنه في الحقيقة هو الذي ربط لبنان إقليميًّا بما يُسمى محور الممانعة والذي تُشكِّل سوريا قلبه إذا استثنيت إيران في هذا المقام. فكيف يمكن النأي بالنفس عما يجري في سوريا وهي حاضرة في ما يسميه حزب الله إستراتيجية لبنان الدفاعية؟ فسوريا بهذا الاعتبار هي جزء لا ينفصل عن "المقاومة" ببعدها المحلي والإقليمي.
 
حزب الله و دور إقليمي متصاعد
يضع حزب الله التخلي عن سوريا في مربع التخلي عن أحد أهم أسباب قوة المقاومة التي جُرِّبت سابقًا، ولا يزال يبرر وقوفه إلى جانب النظام السوري بأسباب عدة، أبرزها بحسب ما يثيره مقربون منه، حاجته إلى الحفاظ على "سلاح المقاومة" راهنًا، لاسيما الثقيل منه، والذي يرى بعض هؤلاء أنه مخزَّن في سوريا، وتحديدًا في مناطق جغرافية قريبة من الحدود اللبنانية.
 
ولم يعد الحزب حريصًا جدًّا على إخفاء أن عناصره تنشط في الداخل السوري استخباراتيًّا وعسكريًّا بمستويات عدّة ولأهداف كثيرة، منها الحفاظ على المواقع التي تشكّل أهمية إستراتيجية لعمل "المقاومة"، سواء على صعيد حفظ مخازن الأسلحة الثقيلة، أو حفظ طرق الإمداد، إضافة إلى رعاية بعض القرى الشيعية السورية الاثني عشرية وحماية المصالح المرتبطة بهذه الأقلية، خاصة وأن سوريا ستقع في فوضى كبيرة على إثر سقوط نظام الأسد، مما يتطلب تدخلاً مباشرًا يتجاوز السلطة التي قد تقوم وسط هذا الركام.
 
ويقوم التقدير السائد لدى إيران وحزب الله في بعض وجوهه على أن الساحة السورية ستكون شبيهة بالساحة العراقية والساحة اللبنانية إبّان مرحلة الفوضى التي مرّ بها البلدان؛ ما يعني أن الظروف ستسمح بتعدد الفاعلين المحليين والإقليميين. وسيكون على الحزب وفق أحد السيناريوهات أن يمد نفوذه الإقليمي إلى سوريا، وقد يصبح -بحسب بعض المتخوفين- قريبًا من حدود الأردن -ومن بعده الخليج- ثم تركيا، فيكون النفوذ بهذا القرب من قلب الإقليم -مهما كان متواضعًا- ذا فعالية مضاعفة، فيعوض الحزب ما خسره زمن سقوط الأسد، ببعض ما قد توفره له الفوضى وانعدام الأمن والاستقرار من بعده.
 
وقد وفّرت إستراتيجية الأسد للدفاع عن حكمه أساسًا يمكن للحزب أن يبني عليه في هذا الشأن، حيث تشي خريطة الأحداث على الأرض بأن الأسد سمح لعدة لاعبين بتعزيز نفوذهم ميدانيًّا على الأراضي السورية ليكونوا في مواجهة الأكثرية السكانية السورية حاضرًا ومستقبلاً، وكذلك ليكونوا في مواجهة الثورة حتى وإن لم يكونوا في الأصل من أنصاره. وكجزء من هذه السياسة يبدو أن نظام الأسد سمح لحزب الله -وسواه- بإنشاء ما يشبه المناطق الأمنية الخاصة به ليحمي عمقه الحيوي، سواء بالتعاون مع الأجهزة السورية أو وحده إذا ما اقتضى الأمر.
 
الخلاصة، وفق هذا التحليل، أن حزب الله سيزيد من الجرعة الإقليمية في توجهاته، ما سيبعده أكثر عن جذوره المحلية وعن خطابه المألوف سياسيًّا وثقافيًّا، ليلبي حاجة إيران الإقليمية المتزايدة كورقة ضغط فعالة، تكون على مستوى التحديات التي تواجهها في صراعها على جبهات متعددة مع عدة قوى إقليمية وعربية ودولية.
 
انعكاس سياسة الحزب على لبنان
أخذًا بالاعتبار هذه السيناريوهات، ووفقًا لإيقاع التحولات التي تشهدها الساحة السورية هناك تقدير بأن حاجة الحزب الآنية لإطلاق حوار وطني في لبنان ستتضاعف، لصالح البحث عن وضع يسمح بحفظ الأسلحة الثقيلة والمنظومة المتعلقة بها التي ينقلها أو نقلها من سوريا إلى لبنان. ويعني ذلك في المقام الأول خلق مناطق أمنية جديدة في لبنان، بما يوفر ظروف حمايتها لأطول مدة وأبعد مدى ممكن. وتحقيقًا لهذه الغاية غير المعلنة ووفق هذا المنطق، من المنطقي أن يلجأ حزب الله إلى إطلاق حوارات ثنائية صريحة متعددة مع أكثر من طرف، ولا يُستبعد أن التطورات اللاحقة ستدفعه لإحياء "طاولة الحوار الوطني" بجدية أكبر بغية مناقشة "الإستراتيجية الدفاعية"، لكنه سيحرص في نهاية المطاف على أن تكون وفق معاييره هو لا غيره.
 
حينئذ، لن يخلو "الحوار" من بعض التوتر السياسي والأمني، ولن يتردد حزب الله في استعمال السلاح -كما يخشى خصومه- ليفرض حقائق ورؤى تكرّس حدود المعادلة السياسية الجديدة في لبنان، ومفادها أن بناء الدولة اللبنانية يجب أن يأخذ بالاعتبار أن "سلاح حزب الله وطموحاته الخاصة" هي في الحقيقة "مسألة وطنية"، بل هي "سلاح المقاومة وطموحاتها" التي تحمي لبنان كل لبنان، والحزب والمقاومة أمرهما واحد.
 
وبذلك، فإن هذا الحوار الذي يجري تحت ضغوط أمنية وسياسية، سيكون بالنسبة إلى حزب الله توجهًا بديلاً عن إشعال حرب أهلية لبنانية جديدة يخسر فيها الجميع، وقد تقبل به أو ببعضه، بعد المساومة، أطراف لبنانية وربما إقليمية أيضًا.
 
مقتل الحسن ومسار الحوار
جاء اغتيال وسام الحسن في أعقاب هذه الأجواء المشبعة ببعض إيجابيات الحث على الحوار الوطني الذي التزمه رئيس الجمهورية اللبنانية ميشال سليمان، والخوف لدى قوى الرابع عشر من آذار من السلبيات الذي قد تصاحبه، ليعزز قراءتين مختلفتين تكادان تشكّلان نمطًا واحدًا لفهم أية مستجدات أمنية لبنانية:
  • أولاهما: أن حزب الله سيستفيد من مقتل شخصية توازي إلى حدٍّ ما بأهميتها الأمنية رفيق الحريري في أهميته السياسية، وأن فريق الراحل وسام الحسن سينضم إلى طاولة الحوار وقد نُزِعت منه أهم ورقة كانت قد لعبت دورًا أساسيًّا في تتبع عورات كل معادلات قوى الثامن من آذار القائمة على التحالف مع سوريا. منها تلك الضربة الأخيرة التي كشفت تورط الوزير السابق ميشال سماحة في مخطط تفجيري وفق التسريبات الأمنية اللبنانية.
  • ثانيهما: أن حزب الله أمام توقيت سيء جدًّا فرضه مقتل الحسن، وسيشكّل عقبة حقيقية أمام أية مبادرة منه لإطلاق حوار يسمح له بإعادة التموضع محليًّا بما يتلاءم مع التحديات الإقليمية التي تواجهه سواء على المسار السوري أو الإيراني. وبهذا الاعتبار فإن الاغتيال أضرّ بحزب الله كما بسواه.

ولكن هاتين القراءتين تلتقيان -عند فاقدي الثقة بحزب الله- عند نقطة واحدة إذا ما أُخذت بالاعتبار التجارب السابقة، ألا وهي أن لبنان مقبل على "دبلوماسية قهرية" يمارسها الحزب بغرض تأمين بيئة صديقة له على الأراضي اللبنانية لتقبل الأطراف المعارضة بالمعادلة الجديدة ولو على مضض. وسواء عُقدت طاولة الحوار الوطني اللبناني اليوم أو بعده، فإن الحزب بحاجة على المدى القريب إلى إستراتيجية عاجلة تسمح له بالتكيف مع ما تعرض له عمقه الحيوي السوري من تشوهات، كما بحاجة على المدى المتوسط إلى إستراتيجية جديدة بالكامل يستغني بها عن العمق السوري، ليخلق عمقًا جديدًا داخل الأراضي اللبنانية مع توفير ما يحتاجه من متطلبات ثقيلة تسمح له بالاستمرار والنمو، وأن لا يخسر حاضنته الشعبية داخل المجتمع اللبناني.
 
خاتمة
وعلى العموم هناك إدراك لدى جميع اللاعبين داخل لبنان بأن إستراتيجية حزب الله المعتمدة حتى اللحظة هي المزيد من ربط العمق اللبناني بالعمق السوري باعتبارهما عمقًا إقليميًّا مترابطًا عسكريًّا وسياسيًّا بما يتجاوز الدولتين إلى سواهما. ولا يعني هذا بالضرورة جرّ لبنان إلى حرب أهلية، لكنه يتعلق حتمًا بالأوراق التي يمكن أن يكون لها تأثير على نتائج أي حوار سوري مقبل، سواء كانت أوراقًا تتصل بالبعد العسكري أو السياسي، وسواء كان ذلك على الصعيد الإقليمي أو الدولي. فمسار الحوار السوري سيحدد شكل طاولة حوار وطنية لبنانية ستقوم على أنقاض الطائف الذي سيسقط بسقوط أهم عرّابيه، ألا وهو النظام السوري.
لهذا تحرص الأطراف اللبنانية جميعًا على الاستعداد للانعكاسات التي قد تترجمها أية اتفاقات جديدة في سوريا لمرحلة ما بعد الأسد. وإن تكرار طائف جديد في سوريا أو الخروج عليه، سيجعل من طاولة الحوار اللبنانية، طاولة حوار إقليمية وربما دولية تبحث عن اتفاق آخر.
_______________
*باحث في شؤون المشرق العربي والحركات الاسلامية
المصدر: مركز الجزيرة للدراسات.

الأربعاء، 11 يناير 2012

ناشدتك الله عد لي وابتسم

سئلت عن حقيقة أمرك وهل لك لذة حقا؟ لم أجد لهذا الجواب إلا بضع كلمات من ذكرى...
***  ***

 البسمة في عينيك، ألطف ما رأيت.. ناشدتك الله لي ابتسم.

يا أيها الطيب أين أنت مني، هل آذيتك بصمتي، أم أني عاجلت بالخصام معك لخصامي فيك.

ما الذي حدث، كيف تعود إلي..؟

اشتقت إلى نار مدفأتك وأنا متدثر بصقيع ذنبي، اشتقت إلى لمستك الحانية التي كنت بها تنتزع  مني هموم النهار وتطرد وحشة الليل.

أريدك كالأيام الخوالي تقتحم أحلامي وخيالي، وتتقمص جوارحي وأنفاسي، حتى أعلم أنك أنا وأنت واحد متداخل لا بينونة بيننا ولا خلال، ولكن واحد واحد، أذوب فيك وأملي أن أكون حيث تكون.  

أين أنت من فؤادي المفجوع بما آثرته جوارحي من بعدك، أين أنت من أسى أمطرته غيوم قهقهات المتألهين بالدنس، لن أكذب لو قلت لك أن مشاعر الغضب في عروقي تقول إنك لن تعود.. فهل ستعود؟.

أخبرت عنك ايها الطيب أنك لا تفارق محب، وأنك لا تهجر مجد، وهذا ما يخيفني، أني محب ولكن هيهات مني الجد وهيهات..!

حاصرني جلال جمالك فيما مضى وأسكرتني الخلوة بك حتى رأيت العالم صغيرا لا يسع عالمك، أدركت لذة قربك فتضاءلت ما دونها كل لذة في الدنيا.

سمعت صوت هدوئك وعلا على كل صخب الدنيا، وقذف في قلبي المفتون كل معان العشق والهوى. وها هو اليوم أرداني بهجري فما لي من طاقة بعد بعدك. إرجع مرة أخرى، ليلة واحدة، لحظة واحدة، لعلي أدفن فيها كل ما تبقى من جيفة الجسد.

كنت حرا بك، وكان الموت والحياة وجهان من وجهك، أما آن للعبد أن يعتق، وأن يكون موته قيامة لا عدما، وحياته أملا متصلا لا سديما متراكبا.. بالله عليك يا أيها الإيمان عد وابتسم.
شفيق شقير/ابوالحسن

الأحد، 8 يناير 2012

زمن منفي من التاريخ.. قبل الثورة وبعضا مما بعدها

زمن منفي من التاريخ، يتدلى الصمت حول مآقيه، يحجب عبرات العين، يكتم نشيج الصوت.

أخرجه الغطاسون صيادوا اللآلئ خطأ من غيابات البحر.

مدحه الشعراء بكلمات بعد أن استهلك الجمال كلماتهم، وكأن الكلمات ستخلق من طينه المجبول بسواد الظلام كهيئة القصيدة، أو لعلها تنفخ فيه روح معلقات العرب بعد أن سكنته روح "من ما قبل ومن ما وراء العرب".

لما افتقرت الصحراء للشجر اليابس في الشتاء، استدفأت بنار أوهامه تحت شجرة النخيل.

واحتمت بخيوطه البلهاء يمن سبأ لما عجزت عن بناء  سد يستدر ماء الحياة من السماء ويقيها سيل الموت في الأرض.

ولما تكسرت قنا الشام ورقدت سيوفها كليلة عليلة، تسلحت بقرع قعقعاته وهي تلامس جدران الهواء وخيالات الكهف.

ولما غابت النجوم والشمس والقمر، وأصبحت الأرض صعيدا واحدا لا شمال فيها ولا جنوب، حملته مصر على أكف شبابها وهي تعزف ألحان التيه، ألحان وأد الطبول وإيقاظ حفار القبور.

وقد استمزج المغرب غروب الشمس وراء بحره الأعمى، فجرى يسابقها في المغيب وهو يتمتم: "لا يهم ما في الغيب بعد المغيب".

ولا زالت بلاد السوادان في حداد أسود يناجي هذا "الزمن الأبيض" الذي استل لونه من برودة الموت وعظام الموتى.

إنه زمن منفي من التاريخ، ولكن هناك من يفنى يوما بعد يوم ليكون جزء من تاريخه، كالفراشة التي تستظل بالنار وهي بها تحترق.

هو زمن منفي من التاريخ، يسمع قرع نعال أهله وهم ينفضون عنه، وقد تدثروا بكفن أبيض وتعلو جبينهم قبضات حمراء، تنتفض لتصنع تاريخها.
Chafic Choucair

الخميس، 24 نوفمبر 2011

لبنان وسوريا نحو معادلة جديدة وتداعيات إستراتيجية

شفيق شقير
إن العلاقة بين لبنان وسوريا ليست مجرد معادلة سياسية فقط، بل هي عمق اجتماعي وثقافي فضلا عن السياسي والأمني، لذا يجب الأخذ بالاعتبار في الأيام القليلة المقبلة أن المعادلة التي تحكم علاقة لبنان بسوريا إلى تغير، ولكن ضمن نفس الإطار الواسع الذي يجمع البلدين في إقليم واحد، وضمن علاقة تبادلية لا فكاك منها. والتغيرات المتوقعة على العموم كثيرة، ولكن تذكر الورقة اثنين فقط، باعتبار أنهما الأهم في السياق السياسي الحالي.

الأولى: التحالفات وعمقها المتجاوز للسياسة
لا حاجة للعودة للتاريخ والجغرافيا والاجتماع لتأكيد أن كل من لبنان وسوريا يشكل خاصرة رخوة للآخر بقدر ما يرتبط كل منهما بالآخر، وأن كل من البلدين يحتاج إلى حليف له ليشد من قوة هذه الخاصرة حتى لا يؤتى من قبلها. ومن هذا التفكير تمت صياغة الحتمية السياسية التي تحكم العلاقة بين البلدين أن استقرار حكم الحاكم في دمشق يكون بقدر استقرار الحكم له في بيروت، وأن استقرار حكم الحاكم في بيروت يكون بقدر الرضى الذي يناله من دمشق.
وبحسب العقل الإقليمي الذي يحكم المنطقة حكاما ومعارضة، إن أي تغير في المعادلة القائمة لا يخرج كثيرا عن هذا السياق، نعم ربما تنقلب الأدوار في يوم ما عكسيا ما بين حاكم بيروت وحاكم دمشق بحسب "قوة" أو "ضعف" أي منهما إقليميا أكثر من الآخر، ولكن بحسب المسار القائم الآن يبدو أن هناك تغيرات بدات ملامحها تتضح كلما ازدادت الأوضاع تدهورا في سوريا، لتتجه نحو صياغة توازن نسبي بين البلدين وفي البلدين، وكأن المعادلة الجديدة تتجه لأن تقول:
كما أن للنظام السوري حلفاء في لبنان وعلى رأسهم حزب الله وهو من هو، إن للمعارضة اللبنانية حلفاء في سوريا ألا وهي الثورة السورية وهي تمثل ما تمثل.
وتتميز المعادلة الجديدة بتكافؤ الطرفين في كون كل منهما قاطرة لمجموعة من المصالح والتوجهات الإستراتيجية الإقليمية والدولية والخيارات السياسية والطائفية، وأن كلا منهما يقف على أرض خصبة تنبت ما شاءت من الفرص لأصحابها للتدخل مستقبلا في الشأن السوري إلى أبعد الحدود، أو لإدارة الوضع اللبناني بما تمليه المصلحة العابرة لحدود البلدين إزاء بعضهما البعض.
والمعركة السياسية حاليا وسابقا (منذ الطائف إلى حد ما) يصح وصفها من بعض الوجوه، أنها كانت معركة بعض قوى هذا االإقليم الذي يتشكل منه لبنان وسوريا، حتى أن الصراعات التي أنتجت لبنانيا قوى 8 و14 آذار هي صراعات كانت موجودة في الأساس بين فريقين في مركز الحكم في دمشق، فريق هزم شر هزيمة وأقصي ومن معه عن السلطة ومراكز التأثير في بيروت ودمشق وتزامن معه أو جاء في سياقه مقتل الرئيس الحريري (وكان الحريري خلال بعض مراحل الفترة السابقة  أشبه بوزير خارجية لبنان وسوريا)، وفريق آخر انتصر واستأثر بالحكم مع مجيء الرئيس بشار الأسد.
ومع استمرار هذا الترابط في المسار والمصير الذي حكم الحقبة الماضية وخدم الحكم في دمشق حينها، فإن المعارضة الحالية في الإقليم (في لبنان وسوريا)، تعمل وفق الترابط نفسه ليساعدها على إعادة صوغ خطابها وتطويره ليشكل ردا على جبهة الحاكمين في سوريا ولبنان، عمادها الأخلاقي أدبيات "الثورة والحرية" في وجه أدبيات "الممانعة"، وخوض معركة واحدة لإسقاط مواقع الحكم في الإقليم (سوريا ولبنان) باعتباره ساحة واحدة في بلدين، وكأننا نستعيد مقولة أن شعب لبنان وسوريا شعب واحد في بلدين، مع ما لهذه المقولات من استدعاءات لتحالفات إقليمية في السراء والضراء.

الثانية: المبادئ أبعد من السياسة
من المستحيل على أي قوة أن تدافع عن الحكم السوري وما في آدائه من مثالب بداعي الدفاع عن المعادلة السياسية القائمة في المنطقة دون أن تسقط أبعادا أخرى، لا تقل أهمية عن البعد السياسي لا بل قد تفوقه أو هي أسه في حقيقة الأمر.
ربما لهذا بادر بعض حلفاء الحكم في سوريا – الإستراتيجيين وحملة المبادئ منهم على وجه خاص- إلى إسداء النصح والإرشاد له- على استحياء ودون إنكار- كي لا ينسب إليهم كل ما يقرره أو يقوم به من أعمال وسياسات تجاه الداخل أو الخارج وتتناقض مع القيم والمبادئ التي يعلنونها، خاصة بعد أن طالت الأزمة السورية وكثرت أخطاء أجهزة الحكم السوري التي إن استمرت دون إنكار من قبل الحلفاء، فإنها ستسقط كل أخلاقيات السياسة والساسة في لبنان والمنطقة جميعا.
وفي هذا السياق من المفيد التذكير بالموقف نفسه، وبالحرج الذي تفطن إليه مبكرا الحليف التركي لسوريا حينها، وهو من أصحاب التوجهات الأخلاقية في الحكم على الصعيد المحلي والإقليمي، فهذا الحليف وجد نفسه ملزما بتأدية دور الناصح للحكم في سوريا كي لا يتشارك معه المسؤولية عما قد لا يرضى عنه المجتمع الدولي والشعوب العربية -خاصة بعد تجربة مريرة مع ليبيا- لا بل الشعب التركي نفسه(وحتما كانت ستتضرر منظومته الأخلاقية)، وتلقت أنقرة بسبب هذه السياسة اتهامات لا بل شتائم شتى من قبل حلفاء الحكم السوري في لبنان، قبل أن يعودوا لممارسة نفس الدور.
ويبدو أنهم جميعا اليوم، تركيا حليفة سوريا بالأمس وغريمتها اليوم، وحلفاء اليوم في إيران ولبنان، باتوا يدركون أن العلاقة ما بين سوريا وجوارها أبعد من السياسة، وأنها ساحة اختبار لكل الأخلاقيات والشعارات التي يحملونها.
ومن المستبعد أن ترد سوريا على هؤلاء الواعظين من حلفائها بالسوء، لأنهم على عكس تركيا لم يتركوا مسافة بينهم وبين الحكم السوري بل التصقوا به، ولكن "مصداقية" المبادئ التي يحملونها والتوجهات التي تميزهم وتبرر وجودهم ستكون على المحك، لأن القضية ليست اختبارا لمدى "الصدق مع الحليف" السوري، بل هي اختبار لمدى "الصدق في المبادئ والقيم والشعارات" التي عرفوا بها ودفعوا الغالي والنفيس من أجل تكريسها، وهذا لن يمر بدون خسائر معنوية وأخلاقية في صفوف هؤلاء الحلفاء، وذلك بغض النظر عن حقيقة الوضع السياسي القائم في سوريا الآن وأهدافه، أو عما سيؤول إليه وسيصب في مصلحة من، لأن السقوط الأخلاقي للسياسة في منطقتنا لا يماثل في نتائجه السلبية وتداعياته أي سقوط آخر في أي منطقة أخرى، فالمقاومة والممانعة فيها تقوم بالدرجة الأولى على اللحم الحي والصدور العارية وعلى قيم حديدية غير قابلة للجدل أو النقاش. ا.هـ

الخميس، 6 أكتوبر 2011

توبة بثورة، صفر جاور الحق فصار أمره أمرا

أن تكون رقما على جدار أخرس،
أن تكون سطرا في نص أبكم،
أن تظن أنك تكون وأنك لا تكون.
أأنت عبء ألقاه فائض من الدهر على فائض من الحياة،
أأنت تراب حملته ريح فلا استقر في أرض أو قر في سماء.
يأتي الجواب من أقصى المدينة يسعى،
يا قوم كنت صفرا جاور الحق بالحق فصار أمره أمرا،
أرى صقرا أصغى لصوتي المكلوم فسمعه أهل الأرض:
أنا طفل لا زالت حقيبتي على ظهري ولم تسقطها أسفارهم،
أنا أم وأب وما شئت من الخليقة لا أحمل رصاصة بجيبي،
بكت السماء يوما يأسا من يأسي، وفارقت جباها أدمنت أديم الأرض،
أرى اليوم ثغر السماء باسما وتسقي عبراتها شموع الحقول،
وتستعير البلقع عظام جسدي لتنهض بفرح الحياة،
ألا تلحظ عيون العشاق ترقب قمري المخضب بدم اليقين:
تترقب بداية شهور واكتمالها برؤية ثورة وولادة أخرى،
فأنا أموت لتحيا ثورة وأحيا لأرى أخرى فماذا بي تفعلون. 
-انتهى-
شفيق شقير

الاثنين، 25 يوليو 2011

عندما ينبض الموت بالحياة لا يمكن أن يُرثى


إلى الشيخ فيصل مولوي رحمه الله


عندما ينبض الموت بالحياة لا يمكن أن يُرثى، وحيث لا يموت الموت موتا، تشرئب الحياة بعنقها الطويل لتسخر من باطن الأرض: مهما امتلئتِ بالصور فإنك لن تنفخي فيها روحا.
عندما نمشي صمتا في مواكب الرحيل، ما نحن إلا في إصغاء لخطبة وداع أخرى من مشكاة النبوة جدائلها، حملتها القرون جديلة جديلة: من الأصحاب إلى الأحباء.
وعندما يعلو الطير الأخضر لا يهوي بل يرقى، فمسكنه أسمى من حشائش الأرض وما تنبت، وعيناه ترنوان لما فوق السحاب وأبعد: إقرأ وارقى.
أترى الليل ما يزال يضيء الأرواح الحزينة: يمسح ما أفصح عنه النهار ويُدبر، ويرفع أقواما اختبأوا من عيون النهار في يوم لا ليل له.
أما آن للرهبان أن يهجروا الصوامع لسقاية الحقول، فبذرة السماء وصية أهلها أن لا تروى إلا بماء الأرض، وأن اليد التي تغرس لا تشيخ ولا تبلى، لكنها تُرفع ولو شبهت لهم.

ومشى كتاب اللحظة طويلا وقليلا حتى كلت حروفُه أديم الأرض: واعجبا كيف تكل والركب لا زال في مسير، أوَجَدت الأرضَ غير الأرض وأنها في سفر لن تبلغه إلا بعد حين، أو إنك في خيالاتهم أكثر حقيقة من حقيقة يومهم وغدهم.
تقول النفس لتُشبع سؤال الرحيل: كيف لي أن أبقى وشوق أهل البقاء بَطَّأَ به عمله حتى قصر به سفره.
تقول النفس إن الأرض دار هجرة تتسع للسماء وما بعد السماء : ألا نهاجر فيها!
تقول النفس إن النفس لأمّارة بالسوء في إمَارة فيها سوء لن يصلحها إلا ورثة الكتاب، ثم تردف: ولكن لكل كتاب مبتدأ وأجل.
كشأن الكبار عندما يتركون جرحا غائرا في الروح لا يدركه إلا أهله، وقد جرت أبداننا على جروح الجسد والأهل والولد، فكل فقْد له جرحه وجرحك لا يأس فيه ولا بأس: هو إيقاظ من رقود كاد يكاد أبد.  

هو الكون يعلم أنه سرمدي أبدي ما دام الأبناء يولودون كرة أخرى كلما مات آباء، وهو لا يحب الآفلين لأن أفوله يوم يأفلون، ويعلم أن شمس المغيب تهجر أوطانا، وكثيرٌ أن يدرك أن أوطانا قد تهجر شروق الشمس لأنها لا تغيب: فما بين المغيب والغيب مفاوز تطوى وقل من يدركها.
أعلم الآن: ما أن ينبض الموتُ بالحياة لا يمكن أن يُرثى، بل به يحتفى: بأزهار وأنهار وأنوار، بسجع الكلمات وباخضرار الأرض وربيعها، وبنور لا ينقطع يراه من بصره حديد. 
تتراقص أمامي الكلمات مقهقهة وكأن الأرض على موعد مع الحصاد: لا ينفرط عقد كتاب إلا لينتظم في آخر، وكيف لا، فإن من نظم كل بديع في الكون لن يدع كلمة تسقط إلا بكتاب، لن يدع لفظا جميلا "كاستقم" حتى تستقيم طرائق الأرض لطريق السماء.
أرى ساعدا قد رفعته أكفٌ نحو أعلى، قوة تريد العهد وتخاف الوعد ولكنه عهد بالدعاء: ضع السيف موضعه وبيد أهله، فيكون قلماً يقرأ ما سُمع في الزمن الأول ليصلح به آخره. وما للزمن أولٌ وآخر، لكنها مواقيت يُؤرخ بها فقد العلماء.
إليك شيخي ولكل شيخ أنت هو وهو أنت، صوت فيصل بعد صمت أخرس مني الصوت، ما جاشت به النفس وهو غاية الأمر وبعده صمت تدب به الحياة، أرى الطعنات التئمت جراحها أملا بأنك في غد لا بأمس وإنّا في غد، وسأغلق الباب على الباب: إنّا لله وإنّا على الطريق حتى يوم الحساب. انتهى.

شفيق شقير

الأربعاء، 13 أبريل 2011

الفاعلون غير الرسميين في اليمن، أسباب التشكل وسبل المعالجة


يكمن مفتاح الفهم للفاعلين غير الرسميين في عملية إعادة إنتاج القوى اللاعبة ضمن عملية صراع لا تحتكم للدستور والأطر القانونية في مؤسسات الدولة، بل من خلال محددات القوة والعلاقات خارج بنية الدولة ومؤسساتها.

ويتجلى ذلك يمنيا وبتفاوت في القبيلة والحركة الحوثية والحراك الجنوبي والقاعدة، وقد تطورت أدوار هذه القوى حتى أصبحت إما تنافس الدولة في بعض الوظائف المنوطة بها أو تتجاوزها، أو أنها اضطلعت بأدوار يجب أن تكون حكرا على الدولة دون سواها، وتمتاز بالقوة والقدرة على عرقلة النظام وعمله أو المشاركة معه في تقاسم السلطة أو التسبب بتآكلها أو بانقسام البلد نفسه.

هذه الجماعات الأربع المذكورة آنفا هي المقصودة حصرا في هذا التقرير المعمق (المشار إلى رابطه الإلكتروني أدناه) عند إطلاق وصف "الفاعلين غير الرسميين" في اليمن، وذلك بغض النظر عن أي نقاش قد يثور حول أبعاد ودلالات هذا المصطلح وحقيقة استعمالاته في سياقات أخرى.

القبيلة
الحركة الحوثية
الحراك الجنوبي
القاعدة
استنتاجات وخلاصات


القبيلة
تعد قبيلتا حاشد وبكيل أبرز القبائل اليمنية التي استطاعت الاحتفاظ بقوة سياسية كبيرة وبأدوار سياسية هامة، تلعبها من خلال البنى الرسمية حينا، ومن خلال البنى غير الرسمية أحيانا أخرى. ويتركز وجود هاتين القبيلتين في المنطقة الممتدة من شمال مدينة صنعاء إلى الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية.

وتمارس القبائل في اليمن ما يشبه السيادة على أراضيها، ويتعامل النظام مع القبائل كما لو كانت تمثل دويلات مستقلة أو كما لو كانت وحدات مرتبطة بنظام فدرالي بل هي في بعض الأحيان شريك له في إدارة العملية السياسية في الدولة. وتمتلك القبائل أعدادا كبيرة من الأسلحة الخفيفة تقارب خمسة أضعاف مخزون الدولة كما تقول بعض المصادر، إضافة إلى عدد من المدافع والرشاشات الثقيلة والمتوسطة والصواريخ.

وتمتاز القبيلة بأنها توفر الحماية لأبنائها بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية، وتتسم مطالبها بكونها مطالب فردية في الغالب، وأحيانا قد تكون جمعية تتعلق بعائلة أو عشيرة أو قبيلة، ويميلون إلى التعبير عنها بالتعامل الكيدي مع الدولة، أو باستخدام وسائل عنيفة. وتمتاز البنى التحتية للقبيلة بالتداخل أو التماس مع بعض الفاعلين غير الرسميين الآخرين، فتأثرت بهم وأثرت فيهم.

الحركة الحوثية
لم تتأسس الحركة الحوثية في أول أمرها حركة سياسية منظمة لها أهداف ونظم ولوائح كسواها من الحركات السياسية, إنما بدأ إطارها الفكري يتشكل من خلال منشورات وتسجيلات لمؤسسها حسين الحوثي الذي تدور حول مجموعة من الأفكار الإسلامية تستهدف التجديد الديني في إطار المذهب الزيدي.
لكنها في وجهها السياسي أصبحت الحوثية مزاحمة لحكم الرئيس علي عبد الله صالح بعد أن قابلت ما أشيع عن نية الرئيس اليمني نقل الحكم لابنه أحمد، بطرح فكرة الإمامة في الحكم وفق الرؤية الزيدية التقليدية التي تحصر الإمامة بأولاد الحسن والحسين من أولاد علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. وذلك تحت مبدأ أنها ما دامت وراثة فلتكن وراثة وفق الدين.

ودخلت الحركة الحوثية والسلطة في حروب متتالية عززت نتيجتها حضور الحوثيين في صعدة وفي بعض المناطق الشمالية المجاورة لها، وامتدت لتصبح حربا إقليمية بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية ذهبت بعض التفسيرات إلى وصفها بأنها حرب سعودية مع إيران أو حرب من إيران على السعودية بالوكالة.

ولكن مما اتضح حتى اللحظة فضلا عن موقفها من حكم علي عبدالله صالح، أن أهم طموحات الحركة هي لعب دور ديني وفكري رائد في المنطقة انطلاقا من جذورها الزيدية، مدفوعة بمخاوف على معتقداتها من الطمس أو التشويه، متلمسة السبل لإعادة تقديم نفسها بصورة مختلفة عن تلك التي شاعت عنهم في المرحلة السابقة.

الحراك الجنوبي
يرى الحراك الجنوبي أن حرب 1994 التي انتهت بانتصار الشمال على الجنوب ألغت الوحدة التوافقية اليمنية بالوسائل العسكرية، وأن التشريع في ظل اليمن الموحد استخدم أداة انقلابية لإلغاء الأسس القانونية لدولة الوحدة وللاستيلاء على ثروات الجنوب وإلغاء مقومات دولته.

وبدأت الحركات الجنوبية التي تستظل بمظلة الحراك الجنوبي كيانات حقوقية مطلبية، لكنها تحولت إلى سياسية بسبب عدم تجاوب السلطة مع مطالبها، وذهب بعضها إلى المطالبة بإنهاء ما تسميه "احتلال الجنوب" وفك الارتباط مع دولة الشمال، باعتبار أن الوحدة كانت بين دولتين مستقلتين لم يكونا دولة واحدة البتة.

ورغم أن الحراك يصر على اعتماده الوسائل السلمية للمطالبة بالحقوق وبالتحرر، فإن هناك مواجهات حصلت بين الجيش ومسلحين جنوبيين تنسبهم السلطة للحراك، كما سجلت عدة حالات استعمل فيها الجيش الأسلحة الثقيلة ضد مدن جنوبية فضلا عن استعمال الذخيرة الحية في مواجهة فعاليات الحراك وناشطيه.

ويشهد جنوب اليمن عموما تناميا لقدرة الحراك واتساعا في قاعدته الشعبية في مقابل تآكل سلطات الدولة ووظائفها وانفلات سيطرتها على أجزاء من محافظات الجنوب التي هي وفق أجندة الحراك ستكون مناطق محررة.

ولكن من الملاحظ أن بعض القوى الجنوبية المنضوية تحت مظلة الحراك الجنوبي قد أعلنت تأييدها للثورة الشعبية اليمنية التي تطرح مطالب الشعب اليمني بأكمله، بمدنييه وقبلييه وعسكرييه، وبشمالييه وجنوبييه، ووفق رؤية واحدة تنطلق من وحدة اليمن وتستظل بعلمه الموحد.

القاعدة
مرت القاعدة في اليمن بعدة محطات لتثبت أقدامها في اليمن، أبرزها تلك التي كانت عام 2009 حيث أعلن عن اندماج خلايا القاعدة في كل من اليمن والسعودية في كيان إقليمي واحد أطلق عليه اسم "تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب". وبهذا الإعلان اتخذت اليمن موقعها الجديد لدى التنظيم بوصفها "حاضنة مثالية" للعمل الحركي والتعبوي للقاعدة بما يشبه في بعض وجوهه دور القاعدة في أفغانستان بوصفها "الحاضنة الأم".
وعزز استقرار التنظيم واكتمال بنيته في اليمن من طموحاته للانخراط في السياسة المحلية، مع ما يتبع ذلك من إمكانية تشكيله تهديدا فعليا ومباشرا للدولة اليمنية وفرض نفسه فاعلا ذا شأن أو رقما هاما في المعادلة الداخلية، بعد أن ظل ذلك أمرا ممتنعا إلى حد كبير في المرحلة التي سبقت عملية الاندماج.

وحاولت القاعدة تقديم رواية متماسكة للتظلمات المجتمعية تتوافق والمبادئ الأساسية لأيديولوجية التنظيم، فعلى سبيل المثال لا الحصر، ثمة تشديد في مختلف أدبيات التنظيم وأطره المرجعية والإعلامية وخطابات قادته على أن الدولة اليمنية بعيدة كل البعد عن تطبيق الشريعة الإسلامية، وأن القائمين على النظام الحاكم "مرتدون" و"عملاء لأميركا ولحكام السعودية". وتتهم القاعدة البطانة التي تحيط بالرئيس بأنها تحتكر وتمتص خيرات البلاد، مؤكدة أن تلك البطانة مسؤولة عن الفساد الذي يجتاح البلاد وكذلك استنزاف ثروتها النفطية.

كما تشير القاعدة إلى الفقر المنتشر بين اليمنيين، وتبدي تذمرها من ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية. ومن ثم تحاول استثارة سخط الشعب اليمني بشرائحه كافة على الدولة، بتشديدها على أنهم "أصبحوا مظلومين ومغلوبين على أمرهم في ظل هذا النظام الذي تحكمه مجموعة لا يهمها مصلحة البلاد وإنما البقاء في السلطة"، وتحثّهم على الانضمام إليها وتبني قضيتها بمناشدتهم مباشرة.

استنتاجات وخلاصات
يشهد اليمن حتى اللحظة بأحزابه ومعظم شرائحه وفئاته حراكا شعبيا جامعا، كان من نتائجه تقلص الحواجز الاجتماعية وتراجع المطالب الخاصة لتتقدم بدلا من ذلك المطالب الموحدة التي رفعت في الساحات تحت عنوان "ثورة شعبية" لا زالت مستمرة إلى اللحظة. وبغض النظر عن النتيجة التي ستنتهي إليها الثورة فإن ما بعدها لن يكون مثل ما قبلها من حيث المبدأ، ولكن حتما يتوقف المشهد المستقبلي للبلد وإلى حد بعيد على السلوك الذي سيتبعه الفاعلون غير الرسميين في المرحلة الجديدة، خاصة أن جل برامجهم وتجاربهم وتوجهاتهم تنتمي إلى المرحلة السابقة على الثورة.

وهذه الأخيرة عالج التقرير المعمق غالبها، ويمكن الخروج منها بخلاصات واستنتاجات أساسية من المرشح أن يكون بعضها محل اختبار في المرحلة المقبلة التي لا تزال في طور التشكل، من أبرزها:

1- يظهر الفاعلون غير الرسميين في المشهد السياسي ويتعزز حضورهم كلما ضعفت الدولة عن فرض وجودها الرمزي والمادي في آن واحد، وكلما اقتربت من نموذج "الدولة الفاشلة" حيث تكون الدولة ضعيفة وهشة وغير قادرة على السيطرة على كامل أراضيها أو الدفاع عن تمام سيادتها، وهذا ما ينطبق على اليمن إلى حد بعيد.

2- ساهم الاقتصاد الريعي والفساد المستشري في الطبقة الحاكمة وأجهزة الاقتصاد اليمني، في إنتاج شرائح اجتماعية غاضبة تحمل السلاح في وجه الدولة، وهو ما عزز من فرص ولادة قوى فاعلة غير رسمية، وأي تغيير في اليمن لا يلحظ تغيير البنية الاقتصادية للدولة من "اقتصاد الريع" إلى اقتصاد "الإنتاج" فإنه سيكرر أخطاء المرحلة السابقة.

3- تتشارك معظم القوى الفاعلة غير الرسمية في اليمن بقدرتها على تهديد أمن الدولة ونظامها السياسي، وبالقدرة على السيطرة على الأرض وحتى إدارة الحياة العامة أحيانا كما هو الحال مع القبيلة في بعض المناطق الشمالية، والحراك الجنوبي أحيانا في بعض المناطق الجنوبية، والحركة الحوثية في صعدة.

4- يتميز أكثر الفاعلين غير الرسميين في اليمن بدعم شعبي فائق، ويقومون في المقابل برعاية جمهورهم وتأمين مصالحهم المحلية وحتى الإقليمية أحيانا, مستعينين بقدرتهم على السيطرة على الأرض أو على التحكم بأجهزة الدولة التي تدخل تحت نطاق نفوذهم.

5- يتمتع جميع الفاعلين غير الرسميين في اليمن (أو يتهمون) بإقامة علاقات أو عقد تحالفات إقليمية قد تتجاوز أحيانا الحدود الوطنية للدولة كعلاقة بعض القبائل اليمنية مع السعودية، وعلاقة الحركة الحوثية مع إيران، وكنسج بعض رموز الحراك الجنوبي لعلاقات إقليمية ودولية من منطلق استمرار الدولة في جنوب اليمن، إضافة إلى طبيعة جماعة القاعدة العابرة للحدود وعدم اعترافها بوجود الدولة أصلا.

6- تعد القبيلة الفاعل الأبرز لما تملكه من جذور تاريخية وقيم اجتماعية يهرع إليها المجتمع عند غياب السلطة وعند الملمات الكبرى، وعظم دور القبيلة سياسيا بسبب شراكتها الطويلة مع النظام بدءا من مرحلة تأسيس اليمن الموحد وانتهاء بإدارة النظام القائم وتقاسم المنافع معه.

7-  إن علاقة القبيلة مع النظام لم تكن علاقة ولاء تام بقدر ما كانت علاقة مصالح لم تخل من بعض التناقضات في بعض المراحل، ما يعني أن الانفكاك بينهما أمر ممكن وهو ما يحصل مؤخرا. وبالمقابل فقد اعتادت القبيلة أن تكون الشريك غير الرسمي للحكم وتأقلمت مع هذا الدور، ما يعني أن إعادة تحالف القبيلة مع النظام السياسي أمر ممكن نظريا، لكنه من المستحيل أن يكون على نفس الأسس السابقة.

8- لم تستطع الحركة الحوثية أن تفرض نفسها حركة إسلامية أو إصلاحية أو وطنية في المشهد اليمني، رغم وجاهة بعض المطالب الحقوقية التي تطرحها، وغلب التصنيف المذهبي الانفصالي لمجمل نشاطاتها بسبب الحروب الداخلية التي خاضتها، وبسبب الشعارات التي تطرحها وتلبي أحيانا كثيرة طموحات جهات إقليمية أكثر مما تستجيب أو تنسجم مع مطالب وطموحات اليمنيين.

9- أعطت الأبعاد المطلبية المقرونة بالشعور بالخوف من اندثار المذهب الزيدي للحركة الحوثية انتشارا جغرافيا واسعا على أساس مذهبي، لكن في المقابل حكم عليها بالجمود سياسيا، وربما على مستويات أخرى، وهو ما يفسر وقوعها أسيرة حروب متوالية، وأسيرة الدفاع عن أيديولوجيتها وتحسين صورتها في منطقة تعج بالمتغيرات والحراك.

10- أذكت السلطة اليمنية مطالب الحراك الجنوبي "بالانفصال" أو فك الارتباط، كما يصفه الحراك، نتيجة سوء إدارتها للجنوب وعدم تلبية مطالبه الحقوقية الملحة. وإذا استمرت المعادلة القائمة حاليا في إدارة الأزمة الجنوبية، فإن مقولات التميز التاريخي والقيمي والاجتماعي بين الجنوب والشمال ستتعزز، وإن مطلب "فك الارتباط" سيزداد على حساب المطالب الحقوقية التي يسهل التعامل معها.

11- لم يحسم الحراك الجنوبي أمره بشكل نهائي حتى الساعة، في ما إذا كان حركة مطلبية أم حركة تحرر من احتلال على ما يقول قادته، وهو ما كشفت عنه مواقف بعض الأطراف في الحراك بتأييدها للثورة الشعبية. وليس من المتوقع أن يحسم أمره بسهولة إلا إذا حصل تغيير جذري لصالح الثورة الشعبية، فعندها قد تحسم الغالبية في الحراك أمرها باتجاه الوحدة مع استمرار كيانات أخرى متمسكة بصيغة التحرر من "الاحتلال".

12- إن قوة انتشار القاعدة في اليمن وازدياد فاعليتها ليس متعلقا في معظمه بقوتها الأيديولوجية كما هو شأنها في أماكن أخرى، إنما يتأتى ذلك من قدرتها على الاستفادة من الواقع القبلي والمذهبي المتفلت من سلطة الدولة، إضافة إلى وجود مبررات جهوية ومطلبية كثيرة تساعد على ذلك.

13- أدخلت السلطة تنظيم القاعدة في الصراع اليمني طرفا داخليا بمحاولتها عقد تحالفات دولية أو استجلاب مساعدات متعددة الوجوه تحت عنوان مواجهة خطر القاعدة، ويقول البعض إن السلطة تعمدت ذلك لتؤكد تعاطف أو تحالف بعض الأطراف المحلية مع القاعدة، وهو ما يبرر استعمال السلطة العنف المفرط في مواجهة المعارضة اليمنية المحلية.

14- تتوالد الجماعات الفاعلة غير الرسمية عادة في الدول الفاشلة أو تلك التي تتجه نحو الفشل، مما يجعل استمرار هذه الجماعات كقوى فاعلة غير رسمية أو الحد من توالدها مرهونا بإعادة بناء الدولة اليمنية. وفي هذه الحالة فإن هذه القوى قد تستمر وتزدهر كأي جماعة "رسمية" تمارس دورها تحت مظلة الدولة، مع استثناء فيما يتعلق بالقاعدة.

15- أخيرا، بوجود الدولة القوية سيفقد على الأرجح تنظيم القاعدة في اليمن شروط استمراره  "فاعلا غير رسمي"، لكن من المحتمل أن يستمر وجوده التقليدي لأسباب لا تتصل بفشل الدولة، وذلك "كجماعة عنف" مناوئة للدولة اليمنية غير المشروعة دينيا برأيه، كما هو حال بقية فروعه في الدول الأخرى المستقرة.

- نسخة من الملخص التنفيذي بصيغة PDF.
- لقراء التقرير المعمق كاملا إضغط هنا.______________________
تحرير شفيق شقير. ساهم في إعداد التقرير المعمق: فؤاد الصلاحي، عبد الله الفقيه، عادل الشرجبي، عبد الكريم الخيواني، محمد أبو بكر السقاف