الأربعاء، 11 يناير 2012

ناشدتك الله عد لي وابتسم

سئلت عن حقيقة أمرك وهل لك لذة حقا؟ لم أجد لهذا الجواب إلا بضع كلمات من ذكرى...
***  ***

 البسمة في عينيك، ألطف ما رأيت.. ناشدتك الله لي ابتسم.

يا أيها الطيب أين أنت مني، هل آذيتك بصمتي، أم أني عاجلت بالخصام معك لخصامي فيك.

ما الذي حدث، كيف تعود إلي..؟

اشتقت إلى نار مدفأتك وأنا متدثر بصقيع ذنبي، اشتقت إلى لمستك الحانية التي كنت بها تنتزع  مني هموم النهار وتطرد وحشة الليل.

أريدك كالأيام الخوالي تقتحم أحلامي وخيالي، وتتقمص جوارحي وأنفاسي، حتى أعلم أنك أنا وأنت واحد متداخل لا بينونة بيننا ولا خلال، ولكن واحد واحد، أذوب فيك وأملي أن أكون حيث تكون.  

أين أنت من فؤادي المفجوع بما آثرته جوارحي من بعدك، أين أنت من أسى أمطرته غيوم قهقهات المتألهين بالدنس، لن أكذب لو قلت لك أن مشاعر الغضب في عروقي تقول إنك لن تعود.. فهل ستعود؟.

أخبرت عنك ايها الطيب أنك لا تفارق محب، وأنك لا تهجر مجد، وهذا ما يخيفني، أني محب ولكن هيهات مني الجد وهيهات..!

حاصرني جلال جمالك فيما مضى وأسكرتني الخلوة بك حتى رأيت العالم صغيرا لا يسع عالمك، أدركت لذة قربك فتضاءلت ما دونها كل لذة في الدنيا.

سمعت صوت هدوئك وعلا على كل صخب الدنيا، وقذف في قلبي المفتون كل معان العشق والهوى. وها هو اليوم أرداني بهجري فما لي من طاقة بعد بعدك. إرجع مرة أخرى، ليلة واحدة، لحظة واحدة، لعلي أدفن فيها كل ما تبقى من جيفة الجسد.

كنت حرا بك، وكان الموت والحياة وجهان من وجهك، أما آن للعبد أن يعتق، وأن يكون موته قيامة لا عدما، وحياته أملا متصلا لا سديما متراكبا.. بالله عليك يا أيها الإيمان عد وابتسم.
شفيق شقير/ابوالحسن

الأحد، 8 يناير 2012

زمن منفي من التاريخ.. قبل الثورة وبعضا مما بعدها

زمن منفي من التاريخ، يتدلى الصمت حول مآقيه، يحجب عبرات العين، يكتم نشيج الصوت.

أخرجه الغطاسون صيادوا اللآلئ خطأ من غيابات البحر.

مدحه الشعراء بكلمات بعد أن استهلك الجمال كلماتهم، وكأن الكلمات ستخلق من طينه المجبول بسواد الظلام كهيئة القصيدة، أو لعلها تنفخ فيه روح معلقات العرب بعد أن سكنته روح "من ما قبل ومن ما وراء العرب".

لما افتقرت الصحراء للشجر اليابس في الشتاء، استدفأت بنار أوهامه تحت شجرة النخيل.

واحتمت بخيوطه البلهاء يمن سبأ لما عجزت عن بناء  سد يستدر ماء الحياة من السماء ويقيها سيل الموت في الأرض.

ولما تكسرت قنا الشام ورقدت سيوفها كليلة عليلة، تسلحت بقرع قعقعاته وهي تلامس جدران الهواء وخيالات الكهف.

ولما غابت النجوم والشمس والقمر، وأصبحت الأرض صعيدا واحدا لا شمال فيها ولا جنوب، حملته مصر على أكف شبابها وهي تعزف ألحان التيه، ألحان وأد الطبول وإيقاظ حفار القبور.

وقد استمزج المغرب غروب الشمس وراء بحره الأعمى، فجرى يسابقها في المغيب وهو يتمتم: "لا يهم ما في الغيب بعد المغيب".

ولا زالت بلاد السوادان في حداد أسود يناجي هذا "الزمن الأبيض" الذي استل لونه من برودة الموت وعظام الموتى.

إنه زمن منفي من التاريخ، ولكن هناك من يفنى يوما بعد يوم ليكون جزء من تاريخه، كالفراشة التي تستظل بالنار وهي بها تحترق.

هو زمن منفي من التاريخ، يسمع قرع نعال أهله وهم ينفضون عنه، وقد تدثروا بكفن أبيض وتعلو جبينهم قبضات حمراء، تنتفض لتصنع تاريخها.
Chafic Choucair

الخميس، 24 نوفمبر 2011

لبنان وسوريا نحو معادلة جديدة وتداعيات إستراتيجية

شفيق شقير
إن العلاقة بين لبنان وسوريا ليست مجرد معادلة سياسية فقط، بل هي عمق اجتماعي وثقافي فضلا عن السياسي والأمني، لذا يجب الأخذ بالاعتبار في الأيام القليلة المقبلة أن المعادلة التي تحكم علاقة لبنان بسوريا إلى تغير، ولكن ضمن نفس الإطار الواسع الذي يجمع البلدين في إقليم واحد، وضمن علاقة تبادلية لا فكاك منها. والتغيرات المتوقعة على العموم كثيرة، ولكن تذكر الورقة اثنين فقط، باعتبار أنهما الأهم في السياق السياسي الحالي.

الأولى: التحالفات وعمقها المتجاوز للسياسة
لا حاجة للعودة للتاريخ والجغرافيا والاجتماع لتأكيد أن كل من لبنان وسوريا يشكل خاصرة رخوة للآخر بقدر ما يرتبط كل منهما بالآخر، وأن كل من البلدين يحتاج إلى حليف له ليشد من قوة هذه الخاصرة حتى لا يؤتى من قبلها. ومن هذا التفكير تمت صياغة الحتمية السياسية التي تحكم العلاقة بين البلدين أن استقرار حكم الحاكم في دمشق يكون بقدر استقرار الحكم له في بيروت، وأن استقرار حكم الحاكم في بيروت يكون بقدر الرضى الذي يناله من دمشق.
وبحسب العقل الإقليمي الذي يحكم المنطقة حكاما ومعارضة، إن أي تغير في المعادلة القائمة لا يخرج كثيرا عن هذا السياق، نعم ربما تنقلب الأدوار في يوم ما عكسيا ما بين حاكم بيروت وحاكم دمشق بحسب "قوة" أو "ضعف" أي منهما إقليميا أكثر من الآخر، ولكن بحسب المسار القائم الآن يبدو أن هناك تغيرات بدات ملامحها تتضح كلما ازدادت الأوضاع تدهورا في سوريا، لتتجه نحو صياغة توازن نسبي بين البلدين وفي البلدين، وكأن المعادلة الجديدة تتجه لأن تقول:
كما أن للنظام السوري حلفاء في لبنان وعلى رأسهم حزب الله وهو من هو، إن للمعارضة اللبنانية حلفاء في سوريا ألا وهي الثورة السورية وهي تمثل ما تمثل.
وتتميز المعادلة الجديدة بتكافؤ الطرفين في كون كل منهما قاطرة لمجموعة من المصالح والتوجهات الإستراتيجية الإقليمية والدولية والخيارات السياسية والطائفية، وأن كلا منهما يقف على أرض خصبة تنبت ما شاءت من الفرص لأصحابها للتدخل مستقبلا في الشأن السوري إلى أبعد الحدود، أو لإدارة الوضع اللبناني بما تمليه المصلحة العابرة لحدود البلدين إزاء بعضهما البعض.
والمعركة السياسية حاليا وسابقا (منذ الطائف إلى حد ما) يصح وصفها من بعض الوجوه، أنها كانت معركة بعض قوى هذا االإقليم الذي يتشكل منه لبنان وسوريا، حتى أن الصراعات التي أنتجت لبنانيا قوى 8 و14 آذار هي صراعات كانت موجودة في الأساس بين فريقين في مركز الحكم في دمشق، فريق هزم شر هزيمة وأقصي ومن معه عن السلطة ومراكز التأثير في بيروت ودمشق وتزامن معه أو جاء في سياقه مقتل الرئيس الحريري (وكان الحريري خلال بعض مراحل الفترة السابقة  أشبه بوزير خارجية لبنان وسوريا)، وفريق آخر انتصر واستأثر بالحكم مع مجيء الرئيس بشار الأسد.
ومع استمرار هذا الترابط في المسار والمصير الذي حكم الحقبة الماضية وخدم الحكم في دمشق حينها، فإن المعارضة الحالية في الإقليم (في لبنان وسوريا)، تعمل وفق الترابط نفسه ليساعدها على إعادة صوغ خطابها وتطويره ليشكل ردا على جبهة الحاكمين في سوريا ولبنان، عمادها الأخلاقي أدبيات "الثورة والحرية" في وجه أدبيات "الممانعة"، وخوض معركة واحدة لإسقاط مواقع الحكم في الإقليم (سوريا ولبنان) باعتباره ساحة واحدة في بلدين، وكأننا نستعيد مقولة أن شعب لبنان وسوريا شعب واحد في بلدين، مع ما لهذه المقولات من استدعاءات لتحالفات إقليمية في السراء والضراء.

الثانية: المبادئ أبعد من السياسة
من المستحيل على أي قوة أن تدافع عن الحكم السوري وما في آدائه من مثالب بداعي الدفاع عن المعادلة السياسية القائمة في المنطقة دون أن تسقط أبعادا أخرى، لا تقل أهمية عن البعد السياسي لا بل قد تفوقه أو هي أسه في حقيقة الأمر.
ربما لهذا بادر بعض حلفاء الحكم في سوريا – الإستراتيجيين وحملة المبادئ منهم على وجه خاص- إلى إسداء النصح والإرشاد له- على استحياء ودون إنكار- كي لا ينسب إليهم كل ما يقرره أو يقوم به من أعمال وسياسات تجاه الداخل أو الخارج وتتناقض مع القيم والمبادئ التي يعلنونها، خاصة بعد أن طالت الأزمة السورية وكثرت أخطاء أجهزة الحكم السوري التي إن استمرت دون إنكار من قبل الحلفاء، فإنها ستسقط كل أخلاقيات السياسة والساسة في لبنان والمنطقة جميعا.
وفي هذا السياق من المفيد التذكير بالموقف نفسه، وبالحرج الذي تفطن إليه مبكرا الحليف التركي لسوريا حينها، وهو من أصحاب التوجهات الأخلاقية في الحكم على الصعيد المحلي والإقليمي، فهذا الحليف وجد نفسه ملزما بتأدية دور الناصح للحكم في سوريا كي لا يتشارك معه المسؤولية عما قد لا يرضى عنه المجتمع الدولي والشعوب العربية -خاصة بعد تجربة مريرة مع ليبيا- لا بل الشعب التركي نفسه(وحتما كانت ستتضرر منظومته الأخلاقية)، وتلقت أنقرة بسبب هذه السياسة اتهامات لا بل شتائم شتى من قبل حلفاء الحكم السوري في لبنان، قبل أن يعودوا لممارسة نفس الدور.
ويبدو أنهم جميعا اليوم، تركيا حليفة سوريا بالأمس وغريمتها اليوم، وحلفاء اليوم في إيران ولبنان، باتوا يدركون أن العلاقة ما بين سوريا وجوارها أبعد من السياسة، وأنها ساحة اختبار لكل الأخلاقيات والشعارات التي يحملونها.
ومن المستبعد أن ترد سوريا على هؤلاء الواعظين من حلفائها بالسوء، لأنهم على عكس تركيا لم يتركوا مسافة بينهم وبين الحكم السوري بل التصقوا به، ولكن "مصداقية" المبادئ التي يحملونها والتوجهات التي تميزهم وتبرر وجودهم ستكون على المحك، لأن القضية ليست اختبارا لمدى "الصدق مع الحليف" السوري، بل هي اختبار لمدى "الصدق في المبادئ والقيم والشعارات" التي عرفوا بها ودفعوا الغالي والنفيس من أجل تكريسها، وهذا لن يمر بدون خسائر معنوية وأخلاقية في صفوف هؤلاء الحلفاء، وذلك بغض النظر عن حقيقة الوضع السياسي القائم في سوريا الآن وأهدافه، أو عما سيؤول إليه وسيصب في مصلحة من، لأن السقوط الأخلاقي للسياسة في منطقتنا لا يماثل في نتائجه السلبية وتداعياته أي سقوط آخر في أي منطقة أخرى، فالمقاومة والممانعة فيها تقوم بالدرجة الأولى على اللحم الحي والصدور العارية وعلى قيم حديدية غير قابلة للجدل أو النقاش. ا.هـ

الخميس، 6 أكتوبر 2011

توبة بثورة، صفر جاور الحق فصار أمره أمرا

أن تكون رقما على جدار أخرس،
أن تكون سطرا في نص أبكم،
أن تظن أنك تكون وأنك لا تكون.
أأنت عبء ألقاه فائض من الدهر على فائض من الحياة،
أأنت تراب حملته ريح فلا استقر في أرض أو قر في سماء.
يأتي الجواب من أقصى المدينة يسعى،
يا قوم كنت صفرا جاور الحق بالحق فصار أمره أمرا،
أرى صقرا أصغى لصوتي المكلوم فسمعه أهل الأرض:
أنا طفل لا زالت حقيبتي على ظهري ولم تسقطها أسفارهم،
أنا أم وأب وما شئت من الخليقة لا أحمل رصاصة بجيبي،
بكت السماء يوما يأسا من يأسي، وفارقت جباها أدمنت أديم الأرض،
أرى اليوم ثغر السماء باسما وتسقي عبراتها شموع الحقول،
وتستعير البلقع عظام جسدي لتنهض بفرح الحياة،
ألا تلحظ عيون العشاق ترقب قمري المخضب بدم اليقين:
تترقب بداية شهور واكتمالها برؤية ثورة وولادة أخرى،
فأنا أموت لتحيا ثورة وأحيا لأرى أخرى فماذا بي تفعلون. 
-انتهى-
شفيق شقير

الاثنين، 25 يوليو 2011

عندما ينبض الموت بالحياة لا يمكن أن يُرثى


إلى الشيخ فيصل مولوي رحمه الله


عندما ينبض الموت بالحياة لا يمكن أن يُرثى، وحيث لا يموت الموت موتا، تشرئب الحياة بعنقها الطويل لتسخر من باطن الأرض: مهما امتلئتِ بالصور فإنك لن تنفخي فيها روحا.
عندما نمشي صمتا في مواكب الرحيل، ما نحن إلا في إصغاء لخطبة وداع أخرى من مشكاة النبوة جدائلها، حملتها القرون جديلة جديلة: من الأصحاب إلى الأحباء.
وعندما يعلو الطير الأخضر لا يهوي بل يرقى، فمسكنه أسمى من حشائش الأرض وما تنبت، وعيناه ترنوان لما فوق السحاب وأبعد: إقرأ وارقى.
أترى الليل ما يزال يضيء الأرواح الحزينة: يمسح ما أفصح عنه النهار ويُدبر، ويرفع أقواما اختبأوا من عيون النهار في يوم لا ليل له.
أما آن للرهبان أن يهجروا الصوامع لسقاية الحقول، فبذرة السماء وصية أهلها أن لا تروى إلا بماء الأرض، وأن اليد التي تغرس لا تشيخ ولا تبلى، لكنها تُرفع ولو شبهت لهم.

ومشى كتاب اللحظة طويلا وقليلا حتى كلت حروفُه أديم الأرض: واعجبا كيف تكل والركب لا زال في مسير، أوَجَدت الأرضَ غير الأرض وأنها في سفر لن تبلغه إلا بعد حين، أو إنك في خيالاتهم أكثر حقيقة من حقيقة يومهم وغدهم.
تقول النفس لتُشبع سؤال الرحيل: كيف لي أن أبقى وشوق أهل البقاء بَطَّأَ به عمله حتى قصر به سفره.
تقول النفس إن الأرض دار هجرة تتسع للسماء وما بعد السماء : ألا نهاجر فيها!
تقول النفس إن النفس لأمّارة بالسوء في إمَارة فيها سوء لن يصلحها إلا ورثة الكتاب، ثم تردف: ولكن لكل كتاب مبتدأ وأجل.
كشأن الكبار عندما يتركون جرحا غائرا في الروح لا يدركه إلا أهله، وقد جرت أبداننا على جروح الجسد والأهل والولد، فكل فقْد له جرحه وجرحك لا يأس فيه ولا بأس: هو إيقاظ من رقود كاد يكاد أبد.  

هو الكون يعلم أنه سرمدي أبدي ما دام الأبناء يولودون كرة أخرى كلما مات آباء، وهو لا يحب الآفلين لأن أفوله يوم يأفلون، ويعلم أن شمس المغيب تهجر أوطانا، وكثيرٌ أن يدرك أن أوطانا قد تهجر شروق الشمس لأنها لا تغيب: فما بين المغيب والغيب مفاوز تطوى وقل من يدركها.
أعلم الآن: ما أن ينبض الموتُ بالحياة لا يمكن أن يُرثى، بل به يحتفى: بأزهار وأنهار وأنوار، بسجع الكلمات وباخضرار الأرض وربيعها، وبنور لا ينقطع يراه من بصره حديد. 
تتراقص أمامي الكلمات مقهقهة وكأن الأرض على موعد مع الحصاد: لا ينفرط عقد كتاب إلا لينتظم في آخر، وكيف لا، فإن من نظم كل بديع في الكون لن يدع كلمة تسقط إلا بكتاب، لن يدع لفظا جميلا "كاستقم" حتى تستقيم طرائق الأرض لطريق السماء.
أرى ساعدا قد رفعته أكفٌ نحو أعلى، قوة تريد العهد وتخاف الوعد ولكنه عهد بالدعاء: ضع السيف موضعه وبيد أهله، فيكون قلماً يقرأ ما سُمع في الزمن الأول ليصلح به آخره. وما للزمن أولٌ وآخر، لكنها مواقيت يُؤرخ بها فقد العلماء.
إليك شيخي ولكل شيخ أنت هو وهو أنت، صوت فيصل بعد صمت أخرس مني الصوت، ما جاشت به النفس وهو غاية الأمر وبعده صمت تدب به الحياة، أرى الطعنات التئمت جراحها أملا بأنك في غد لا بأمس وإنّا في غد، وسأغلق الباب على الباب: إنّا لله وإنّا على الطريق حتى يوم الحساب. انتهى.

شفيق شقير

الأربعاء، 13 أبريل 2011

الفاعلون غير الرسميين في اليمن، أسباب التشكل وسبل المعالجة


يكمن مفتاح الفهم للفاعلين غير الرسميين في عملية إعادة إنتاج القوى اللاعبة ضمن عملية صراع لا تحتكم للدستور والأطر القانونية في مؤسسات الدولة، بل من خلال محددات القوة والعلاقات خارج بنية الدولة ومؤسساتها.

ويتجلى ذلك يمنيا وبتفاوت في القبيلة والحركة الحوثية والحراك الجنوبي والقاعدة، وقد تطورت أدوار هذه القوى حتى أصبحت إما تنافس الدولة في بعض الوظائف المنوطة بها أو تتجاوزها، أو أنها اضطلعت بأدوار يجب أن تكون حكرا على الدولة دون سواها، وتمتاز بالقوة والقدرة على عرقلة النظام وعمله أو المشاركة معه في تقاسم السلطة أو التسبب بتآكلها أو بانقسام البلد نفسه.

هذه الجماعات الأربع المذكورة آنفا هي المقصودة حصرا في هذا التقرير المعمق (المشار إلى رابطه الإلكتروني أدناه) عند إطلاق وصف "الفاعلين غير الرسميين" في اليمن، وذلك بغض النظر عن أي نقاش قد يثور حول أبعاد ودلالات هذا المصطلح وحقيقة استعمالاته في سياقات أخرى.

القبيلة
الحركة الحوثية
الحراك الجنوبي
القاعدة
استنتاجات وخلاصات


القبيلة
تعد قبيلتا حاشد وبكيل أبرز القبائل اليمنية التي استطاعت الاحتفاظ بقوة سياسية كبيرة وبأدوار سياسية هامة، تلعبها من خلال البنى الرسمية حينا، ومن خلال البنى غير الرسمية أحيانا أخرى. ويتركز وجود هاتين القبيلتين في المنطقة الممتدة من شمال مدينة صنعاء إلى الحدود الجنوبية للمملكة العربية السعودية.

وتمارس القبائل في اليمن ما يشبه السيادة على أراضيها، ويتعامل النظام مع القبائل كما لو كانت تمثل دويلات مستقلة أو كما لو كانت وحدات مرتبطة بنظام فدرالي بل هي في بعض الأحيان شريك له في إدارة العملية السياسية في الدولة. وتمتلك القبائل أعدادا كبيرة من الأسلحة الخفيفة تقارب خمسة أضعاف مخزون الدولة كما تقول بعض المصادر، إضافة إلى عدد من المدافع والرشاشات الثقيلة والمتوسطة والصواريخ.

وتمتاز القبيلة بأنها توفر الحماية لأبنائها بغض النظر عن انتماءاتهم الأيديولوجية، وتتسم مطالبها بكونها مطالب فردية في الغالب، وأحيانا قد تكون جمعية تتعلق بعائلة أو عشيرة أو قبيلة، ويميلون إلى التعبير عنها بالتعامل الكيدي مع الدولة، أو باستخدام وسائل عنيفة. وتمتاز البنى التحتية للقبيلة بالتداخل أو التماس مع بعض الفاعلين غير الرسميين الآخرين، فتأثرت بهم وأثرت فيهم.

الحركة الحوثية
لم تتأسس الحركة الحوثية في أول أمرها حركة سياسية منظمة لها أهداف ونظم ولوائح كسواها من الحركات السياسية, إنما بدأ إطارها الفكري يتشكل من خلال منشورات وتسجيلات لمؤسسها حسين الحوثي الذي تدور حول مجموعة من الأفكار الإسلامية تستهدف التجديد الديني في إطار المذهب الزيدي.
لكنها في وجهها السياسي أصبحت الحوثية مزاحمة لحكم الرئيس علي عبد الله صالح بعد أن قابلت ما أشيع عن نية الرئيس اليمني نقل الحكم لابنه أحمد، بطرح فكرة الإمامة في الحكم وفق الرؤية الزيدية التقليدية التي تحصر الإمامة بأولاد الحسن والحسين من أولاد علي بن أبي طالب رضي الله عنهم. وذلك تحت مبدأ أنها ما دامت وراثة فلتكن وراثة وفق الدين.

ودخلت الحركة الحوثية والسلطة في حروب متتالية عززت نتيجتها حضور الحوثيين في صعدة وفي بعض المناطق الشمالية المجاورة لها، وامتدت لتصبح حربا إقليمية بين الحوثيين والمملكة العربية السعودية ذهبت بعض التفسيرات إلى وصفها بأنها حرب سعودية مع إيران أو حرب من إيران على السعودية بالوكالة.

ولكن مما اتضح حتى اللحظة فضلا عن موقفها من حكم علي عبدالله صالح، أن أهم طموحات الحركة هي لعب دور ديني وفكري رائد في المنطقة انطلاقا من جذورها الزيدية، مدفوعة بمخاوف على معتقداتها من الطمس أو التشويه، متلمسة السبل لإعادة تقديم نفسها بصورة مختلفة عن تلك التي شاعت عنهم في المرحلة السابقة.

الحراك الجنوبي
يرى الحراك الجنوبي أن حرب 1994 التي انتهت بانتصار الشمال على الجنوب ألغت الوحدة التوافقية اليمنية بالوسائل العسكرية، وأن التشريع في ظل اليمن الموحد استخدم أداة انقلابية لإلغاء الأسس القانونية لدولة الوحدة وللاستيلاء على ثروات الجنوب وإلغاء مقومات دولته.

وبدأت الحركات الجنوبية التي تستظل بمظلة الحراك الجنوبي كيانات حقوقية مطلبية، لكنها تحولت إلى سياسية بسبب عدم تجاوب السلطة مع مطالبها، وذهب بعضها إلى المطالبة بإنهاء ما تسميه "احتلال الجنوب" وفك الارتباط مع دولة الشمال، باعتبار أن الوحدة كانت بين دولتين مستقلتين لم يكونا دولة واحدة البتة.

ورغم أن الحراك يصر على اعتماده الوسائل السلمية للمطالبة بالحقوق وبالتحرر، فإن هناك مواجهات حصلت بين الجيش ومسلحين جنوبيين تنسبهم السلطة للحراك، كما سجلت عدة حالات استعمل فيها الجيش الأسلحة الثقيلة ضد مدن جنوبية فضلا عن استعمال الذخيرة الحية في مواجهة فعاليات الحراك وناشطيه.

ويشهد جنوب اليمن عموما تناميا لقدرة الحراك واتساعا في قاعدته الشعبية في مقابل تآكل سلطات الدولة ووظائفها وانفلات سيطرتها على أجزاء من محافظات الجنوب التي هي وفق أجندة الحراك ستكون مناطق محررة.

ولكن من الملاحظ أن بعض القوى الجنوبية المنضوية تحت مظلة الحراك الجنوبي قد أعلنت تأييدها للثورة الشعبية اليمنية التي تطرح مطالب الشعب اليمني بأكمله، بمدنييه وقبلييه وعسكرييه، وبشمالييه وجنوبييه، ووفق رؤية واحدة تنطلق من وحدة اليمن وتستظل بعلمه الموحد.

القاعدة
مرت القاعدة في اليمن بعدة محطات لتثبت أقدامها في اليمن، أبرزها تلك التي كانت عام 2009 حيث أعلن عن اندماج خلايا القاعدة في كل من اليمن والسعودية في كيان إقليمي واحد أطلق عليه اسم "تنظيم قاعدة الجهاد في جزيرة العرب". وبهذا الإعلان اتخذت اليمن موقعها الجديد لدى التنظيم بوصفها "حاضنة مثالية" للعمل الحركي والتعبوي للقاعدة بما يشبه في بعض وجوهه دور القاعدة في أفغانستان بوصفها "الحاضنة الأم".
وعزز استقرار التنظيم واكتمال بنيته في اليمن من طموحاته للانخراط في السياسة المحلية، مع ما يتبع ذلك من إمكانية تشكيله تهديدا فعليا ومباشرا للدولة اليمنية وفرض نفسه فاعلا ذا شأن أو رقما هاما في المعادلة الداخلية، بعد أن ظل ذلك أمرا ممتنعا إلى حد كبير في المرحلة التي سبقت عملية الاندماج.

وحاولت القاعدة تقديم رواية متماسكة للتظلمات المجتمعية تتوافق والمبادئ الأساسية لأيديولوجية التنظيم، فعلى سبيل المثال لا الحصر، ثمة تشديد في مختلف أدبيات التنظيم وأطره المرجعية والإعلامية وخطابات قادته على أن الدولة اليمنية بعيدة كل البعد عن تطبيق الشريعة الإسلامية، وأن القائمين على النظام الحاكم "مرتدون" و"عملاء لأميركا ولحكام السعودية". وتتهم القاعدة البطانة التي تحيط بالرئيس بأنها تحتكر وتمتص خيرات البلاد، مؤكدة أن تلك البطانة مسؤولة عن الفساد الذي يجتاح البلاد وكذلك استنزاف ثروتها النفطية.

كما تشير القاعدة إلى الفقر المنتشر بين اليمنيين، وتبدي تذمرها من ارتفاع أسعار المواد الغذائية الأساسية. ومن ثم تحاول استثارة سخط الشعب اليمني بشرائحه كافة على الدولة، بتشديدها على أنهم "أصبحوا مظلومين ومغلوبين على أمرهم في ظل هذا النظام الذي تحكمه مجموعة لا يهمها مصلحة البلاد وإنما البقاء في السلطة"، وتحثّهم على الانضمام إليها وتبني قضيتها بمناشدتهم مباشرة.

استنتاجات وخلاصات
يشهد اليمن حتى اللحظة بأحزابه ومعظم شرائحه وفئاته حراكا شعبيا جامعا، كان من نتائجه تقلص الحواجز الاجتماعية وتراجع المطالب الخاصة لتتقدم بدلا من ذلك المطالب الموحدة التي رفعت في الساحات تحت عنوان "ثورة شعبية" لا زالت مستمرة إلى اللحظة. وبغض النظر عن النتيجة التي ستنتهي إليها الثورة فإن ما بعدها لن يكون مثل ما قبلها من حيث المبدأ، ولكن حتما يتوقف المشهد المستقبلي للبلد وإلى حد بعيد على السلوك الذي سيتبعه الفاعلون غير الرسميين في المرحلة الجديدة، خاصة أن جل برامجهم وتجاربهم وتوجهاتهم تنتمي إلى المرحلة السابقة على الثورة.

وهذه الأخيرة عالج التقرير المعمق غالبها، ويمكن الخروج منها بخلاصات واستنتاجات أساسية من المرشح أن يكون بعضها محل اختبار في المرحلة المقبلة التي لا تزال في طور التشكل، من أبرزها:

1- يظهر الفاعلون غير الرسميين في المشهد السياسي ويتعزز حضورهم كلما ضعفت الدولة عن فرض وجودها الرمزي والمادي في آن واحد، وكلما اقتربت من نموذج "الدولة الفاشلة" حيث تكون الدولة ضعيفة وهشة وغير قادرة على السيطرة على كامل أراضيها أو الدفاع عن تمام سيادتها، وهذا ما ينطبق على اليمن إلى حد بعيد.

2- ساهم الاقتصاد الريعي والفساد المستشري في الطبقة الحاكمة وأجهزة الاقتصاد اليمني، في إنتاج شرائح اجتماعية غاضبة تحمل السلاح في وجه الدولة، وهو ما عزز من فرص ولادة قوى فاعلة غير رسمية، وأي تغيير في اليمن لا يلحظ تغيير البنية الاقتصادية للدولة من "اقتصاد الريع" إلى اقتصاد "الإنتاج" فإنه سيكرر أخطاء المرحلة السابقة.

3- تتشارك معظم القوى الفاعلة غير الرسمية في اليمن بقدرتها على تهديد أمن الدولة ونظامها السياسي، وبالقدرة على السيطرة على الأرض وحتى إدارة الحياة العامة أحيانا كما هو الحال مع القبيلة في بعض المناطق الشمالية، والحراك الجنوبي أحيانا في بعض المناطق الجنوبية، والحركة الحوثية في صعدة.

4- يتميز أكثر الفاعلين غير الرسميين في اليمن بدعم شعبي فائق، ويقومون في المقابل برعاية جمهورهم وتأمين مصالحهم المحلية وحتى الإقليمية أحيانا, مستعينين بقدرتهم على السيطرة على الأرض أو على التحكم بأجهزة الدولة التي تدخل تحت نطاق نفوذهم.

5- يتمتع جميع الفاعلين غير الرسميين في اليمن (أو يتهمون) بإقامة علاقات أو عقد تحالفات إقليمية قد تتجاوز أحيانا الحدود الوطنية للدولة كعلاقة بعض القبائل اليمنية مع السعودية، وعلاقة الحركة الحوثية مع إيران، وكنسج بعض رموز الحراك الجنوبي لعلاقات إقليمية ودولية من منطلق استمرار الدولة في جنوب اليمن، إضافة إلى طبيعة جماعة القاعدة العابرة للحدود وعدم اعترافها بوجود الدولة أصلا.

6- تعد القبيلة الفاعل الأبرز لما تملكه من جذور تاريخية وقيم اجتماعية يهرع إليها المجتمع عند غياب السلطة وعند الملمات الكبرى، وعظم دور القبيلة سياسيا بسبب شراكتها الطويلة مع النظام بدءا من مرحلة تأسيس اليمن الموحد وانتهاء بإدارة النظام القائم وتقاسم المنافع معه.

7-  إن علاقة القبيلة مع النظام لم تكن علاقة ولاء تام بقدر ما كانت علاقة مصالح لم تخل من بعض التناقضات في بعض المراحل، ما يعني أن الانفكاك بينهما أمر ممكن وهو ما يحصل مؤخرا. وبالمقابل فقد اعتادت القبيلة أن تكون الشريك غير الرسمي للحكم وتأقلمت مع هذا الدور، ما يعني أن إعادة تحالف القبيلة مع النظام السياسي أمر ممكن نظريا، لكنه من المستحيل أن يكون على نفس الأسس السابقة.

8- لم تستطع الحركة الحوثية أن تفرض نفسها حركة إسلامية أو إصلاحية أو وطنية في المشهد اليمني، رغم وجاهة بعض المطالب الحقوقية التي تطرحها، وغلب التصنيف المذهبي الانفصالي لمجمل نشاطاتها بسبب الحروب الداخلية التي خاضتها، وبسبب الشعارات التي تطرحها وتلبي أحيانا كثيرة طموحات جهات إقليمية أكثر مما تستجيب أو تنسجم مع مطالب وطموحات اليمنيين.

9- أعطت الأبعاد المطلبية المقرونة بالشعور بالخوف من اندثار المذهب الزيدي للحركة الحوثية انتشارا جغرافيا واسعا على أساس مذهبي، لكن في المقابل حكم عليها بالجمود سياسيا، وربما على مستويات أخرى، وهو ما يفسر وقوعها أسيرة حروب متوالية، وأسيرة الدفاع عن أيديولوجيتها وتحسين صورتها في منطقة تعج بالمتغيرات والحراك.

10- أذكت السلطة اليمنية مطالب الحراك الجنوبي "بالانفصال" أو فك الارتباط، كما يصفه الحراك، نتيجة سوء إدارتها للجنوب وعدم تلبية مطالبه الحقوقية الملحة. وإذا استمرت المعادلة القائمة حاليا في إدارة الأزمة الجنوبية، فإن مقولات التميز التاريخي والقيمي والاجتماعي بين الجنوب والشمال ستتعزز، وإن مطلب "فك الارتباط" سيزداد على حساب المطالب الحقوقية التي يسهل التعامل معها.

11- لم يحسم الحراك الجنوبي أمره بشكل نهائي حتى الساعة، في ما إذا كان حركة مطلبية أم حركة تحرر من احتلال على ما يقول قادته، وهو ما كشفت عنه مواقف بعض الأطراف في الحراك بتأييدها للثورة الشعبية. وليس من المتوقع أن يحسم أمره بسهولة إلا إذا حصل تغيير جذري لصالح الثورة الشعبية، فعندها قد تحسم الغالبية في الحراك أمرها باتجاه الوحدة مع استمرار كيانات أخرى متمسكة بصيغة التحرر من "الاحتلال".

12- إن قوة انتشار القاعدة في اليمن وازدياد فاعليتها ليس متعلقا في معظمه بقوتها الأيديولوجية كما هو شأنها في أماكن أخرى، إنما يتأتى ذلك من قدرتها على الاستفادة من الواقع القبلي والمذهبي المتفلت من سلطة الدولة، إضافة إلى وجود مبررات جهوية ومطلبية كثيرة تساعد على ذلك.

13- أدخلت السلطة تنظيم القاعدة في الصراع اليمني طرفا داخليا بمحاولتها عقد تحالفات دولية أو استجلاب مساعدات متعددة الوجوه تحت عنوان مواجهة خطر القاعدة، ويقول البعض إن السلطة تعمدت ذلك لتؤكد تعاطف أو تحالف بعض الأطراف المحلية مع القاعدة، وهو ما يبرر استعمال السلطة العنف المفرط في مواجهة المعارضة اليمنية المحلية.

14- تتوالد الجماعات الفاعلة غير الرسمية عادة في الدول الفاشلة أو تلك التي تتجه نحو الفشل، مما يجعل استمرار هذه الجماعات كقوى فاعلة غير رسمية أو الحد من توالدها مرهونا بإعادة بناء الدولة اليمنية. وفي هذه الحالة فإن هذه القوى قد تستمر وتزدهر كأي جماعة "رسمية" تمارس دورها تحت مظلة الدولة، مع استثناء فيما يتعلق بالقاعدة.

15- أخيرا، بوجود الدولة القوية سيفقد على الأرجح تنظيم القاعدة في اليمن شروط استمراره  "فاعلا غير رسمي"، لكن من المحتمل أن يستمر وجوده التقليدي لأسباب لا تتصل بفشل الدولة، وذلك "كجماعة عنف" مناوئة للدولة اليمنية غير المشروعة دينيا برأيه، كما هو حال بقية فروعه في الدول الأخرى المستقرة.

- نسخة من الملخص التنفيذي بصيغة PDF.
- لقراء التقرير المعمق كاملا إضغط هنا.______________________
تحرير شفيق شقير. ساهم في إعداد التقرير المعمق: فؤاد الصلاحي، عبد الله الفقيه، عادل الشرجبي، عبد الكريم الخيواني، محمد أبو بكر السقاف
 

السبت، 2 أبريل 2011

منهج حركة الإخوان المسلمين ورؤاها الفكرية

  
تصميم الجزيرة نت
 

*شفيق شقير

تعتبر حركة الإخوان المسلمين من أوضح الحركات الإسلامية منهجاً وفكراً، وأكثرها اعتدالاً ويسراً. ولكن برغم ذلك فإن منهجها لم ينج من اختلاف الباحثين بشأنه, ولم يسلم تاريخها من التباسات جعلت البعض يصفها بالتطرف، متهماً إياها بأنها تستبطن غير ما تعلن.

ولو تصفحنا عددا من كتب ومراجع الإخوان فإننا سنجد خطين متوازيين في الفكر الإخواني بقيا يمارسان تأثيراً على فكر حركة الإخوان عالمياً، الأول رسائل حسن البنا، والثاني فكر سيد قطب.

رسائل حسن البناتعتبر رسائل الشيخ حسن البنا -والذي يسمى بأدبيات الإخوان بالإمام الشهيد، ويوصف بالمجدد- أهم مفردات منهج الإخوان المسلمين وعمدة نظامهم الأساسي، وما تزال فعالة في نهج الحركة وفكرها.

وتربو على عشرين رسالة، تناولت مواضيع مختلفة في أوقات ومناسبات مختلفة، وتشتمل على آراء ومواقف دينية، وسياسية، واقتصادية، وتنظيمية وغيرها. كما إن إحداها تضمنت عشرين أصلاً احتفى الإخوان بها احتفاء خاصاً من حيث شرحها وتعليمها والالتزام بها.

صور من رسائل البنا
أهم ما في رسائل البنا هو إعطاء دعوته صفة الشمولية تبعاً لطبيعة الدين الذي تنتمي إليه، فالإسلام دين ودولة، وسيف وقرآن. والوطنية حدودها أرض الإسلام والقومية تحدها تعاليم الإسلام.

فالبنا يقول في رسالة المؤتمر الخامس للإخوان: "نحن نعتقد أن أحكام الإسلام وتعاليمه شاملة تنتظم شؤون الناس في الدنيا والآخرة... فالإسلام عقيدة وعبادة, ووطن وجنسية, ودين ودولة, وروحانية وعمل, ومصحف وسيف".

وبناء على شمولية الإسلام يقرر البنا أن دعوة الإخوان المسلمين:

1- دعوة سلفية: لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله.

2- وطريقة سنية: لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة في كل شيء، وبخاصة في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلا.

3- وحقيقة صوفية: لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس، ونقاء القلب، والمواظبة على العمل، والإعراض عن الخلق، والحب في الله، والارتباط على الخير.
4- وهيئة سياسية: لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج، وتربية الشعب على العزة والكرامة والحرص على قوميته إلى أبعد حد.
5- وجماعة رياضية: لأنهم يعنون بجسومهم، ويعلمون أن المؤمن القوي خير من المؤمن الضعيف.
6- ورابطة علمية ثقافية: لأن الإسلام يجعل طلب العلم فريضة على كل مسلم ومسلمة.
7- وشركة اقتصادية: لأن الإسلام يعنى بتدبير المال وكسبه من وجهه.
8- وفكرة اجتماعية: لأنهم يعنون بأدواء المجتمع الإسلامي ويحاولون الوصول إلى طرق علاجها وشفاء الأمة منها.

فدعوة حسن البنا برغم طابعها الإصلاحي ومضمونها التبشيري مثقلة بهم استعادة الحكم الإسلامي، ويقول البنا في هذا إن الإخوان "لا يطلبون الحكم لأنفسهم فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله".

وابتداء من نقطة الحكم تخوض حركة الإخوان صراعها السياسي مع الأنظمة القائمة، وتوسلت لتحقيق ذلك إضافة لأهدافها الأخرى، شكلاً تنظيمياً خاصاً، اختارت له الصيغة الدولية (أي تنظيم يمتد في أكثر من دولة في العالم) وعملت بفاعلية على مستوى العالم العربي في بعض المراحل السياسية وتركت أثرا واضحاً في بعض دول العالم الإسلامي، مما جعلها موضع خصومة أكثر من نظام عربي وإسلامي، وموضع اتهام وإساءة، وتعرضت للمنع والحظر وبخاصة التنظيم المركزي في مصر، وتعرض عناصرها أكثر من مرة للملاحقة والسجن والإعدام أحياناً.

الأصول العشرونفي رسالة التعاليم يتحدث حسن البنا عن أركان بيعة الأخوان ويحصرها في عشرة أركان، أهمها "الفهم" أي فهم الإسلام ويقول موجهاً قوله للفرد الإخواني بأنه يريد من الفهم أن يفهم الإسلام في حدود الأصول العشرين، ثم يوجزها.

وأولى الإخوان هذه الأصول عناية خاصة، وجعلوها دستور دعوتهم، وشرحها الكثيرون من قادتهم التربويين ومشايخهم الفاعلين، وأبرز شرح كان للشيخ محمد الغزالي في كتابه "دستور الوحدة الثقافية".

وتؤكد الأصول في مطلعها على شمولية الإسلام لمظاهر الحياة وللدين والدنيا وللحكم والعقيدة، وتقرر مرجعية القرآن الكريم وفهمه وفق قواعد اللغة العربية، ومرجعية السنة وأنه يرجع في فهم السنة إلى رجال الحديث الثقات، بما يؤكد انتماء الإخوان للمذهب السني.

وتتناول الأصول بعض القواعد لضبط التفكير والممارسة الدينية في محاولة للتوازن ما بين التصوف وبين النزعات السلفية، فنجدها تخوض في مسألة الرؤى (الأحلام) وأنها ليست من أدلة الأحكام الشرعية، وكذلك تذهب إلى أن التمائم والرقى والودع والرمل والمعرفة والكهانة وادعاء معرفة الغيب, وكل ما ليس عليه دليل من آية أو حديث أو رقية مأثورة تجب محاربته.

وتعطي الأصول لرأي الإمام ونائبه فيما لا نص فيه سلطة اختيار وإقرار الأحكام وفق الظروف والعرف والعادات فيما لا نص فيه وتذهب إلى أن كل أحد يؤخذ من كلامه ويترك إلا المعصوم صلى الله عليه وسلم.

وأن لكل مسلم أن يتبع إماما من أئمة الدين، ويحسن به مع هذا الإتباع أن يجتهد ما استطاع في تعرف أدلته، وأن الخلاف الفقهي في الفروع لا يكون سببا للتفرق في الدين, ولا يؤدي إلى خصومة ولا بغضاء ولكل مجتهد أجره، وكل مسألة لا ينبني عليها عمل فالخوض فيها من التكلف الذي نهينا عنه شرعا.

وتتناول أيضاً بعض مسائل الاعتقاد، مثل الإيمان بالآيات المتشابهة من غير تعطيل ولا تأويل وموقفهم المناهض للبدع في الدين، وغير ذلك مما يتفق مع النهج السلفي بالإجمال وقد يختلف مع بعض التيارات السلفية في التفاصيل.

وأبرز ما في الأصول هو الموقف من مسألة التكفير حيث يقول الأصل ما قبل الأخير: "ولا نكفر مسلما أقر بالشهادتين وعمل بمقتضاهما وأدى الفرائض -برأي أو بمعصية- إلا إن أقر بكلمة الكفر, أو أنكر معلوما من الدين بالضرورة, أو كذب صريح القرآن, أو فسره على وجه لا تحتمله أساليب اللغة العربية بحال, أو عمل عملا لا يحتمل تأويلا غير الكفر".
فكر سيد قطب
يقول محمد قطب أخو سيد: "فكر سيد قطب هو الامتداد الحقيقي لفكر حسن البنا, فحسن البنا في رسالة التعاليم يقول: "ولا نكفر مسلمًا بذنب متى نطق بالشهادتين وعمل بمقتضاها"، وسيد قطب يتحدث عن قيد أو شرط "وعمل بمقتضاها". فبرأي محمد قطب أن فكر سيد يدور حول العمل بمقتضى الشهادتين، وليس مجرد ترديدهما فقط.
ومن المؤكد أن منطلقات سيد في التعبير عن قضيته تتلاقى مع فكر حسن البنا، لأن موضوع فكره بالأساس يدور حول وجوب تحكيم شرع الله، وهو ما عبر عنه حسن البنا في المؤتمر الخامس للإخوان بقوله: "فإن قعود المصلحين الإسلاميين عن المطالبة بالحكم جريمة إسلامية لا يكفرها إلا النهوض واستخلاص قوة التنفيذ من أيدي الذين لا يدينون بأحكام الإسلام الحنيف. هذا كلام واضح لم نأت به من عند أنفسنا, ولكننا نقرر به أحكام الإسلام الحنيف". وبنفس الروح كانت جماعة الإخوان عام 1948 اعلنت معركة المصحف حتى تحدد الدولة موقفها من القرآن باعتباره المصدر للتشريع والحكم، وكتب البنا أربعة مقالات في صحيفة الإخوان اليومية، أنهى مقالته الأخيرة بقوله: "ليس بعد النصيحة أو البيان إلا المفاصلة أو الجهاد".

ووجه الاختلاف أن حسن البنا كرس نفسه للتنظيم وللإصلاح وأعطاهما الأولوية، أما سيد قطب فقد أعطى الفكر والاعتقاد السياسي الأولوية، فكرس نفسه للتمييز بين الكفر والإيمان في علاقة الحكم والحاكم بالمحكومين، علاقة النظام الكافر، والمجتمع المحكوم الراضي بهذا الحكم والآثار المترتبة على ذلك.

فسيد قطب قسم المجتمعات تقسيماً ثنائياً، مجتمع إسلامي وآخر جاهلي، يقول المفكر الإسلامي الدكتور محمد سليم العوا: "والإسلام -عند سيد قطب- لا يعرف إلا نوعين اثنين من المجتمعات، مجتمع إسلامي ومجتمع جاهلي. المجتمع الإسلامي: هو الذي يطبَّق فيه الإسلام عقيدة وعبادة، شريعة ونظامًا، وخلقًا وسلوكًا. والمجتمع الجاهلي: هو المجتمع الذي لا يطبق فيه الإسلام، ولا تحكمه تصوراته وقيمه وموازينه، ونظامه وشرائعه، وخلقه وسلوكه. ليس المجتمع الإسلامي هو الذي يضم ناسًا ممن يسمون أنفسهم "مسلمين"، بينما شريعة الإسلام ليست هي قانون هذا المجتمع، وإن صلى وصام وحج البيت الحرام… وقد يكون المجتمع -إذا لم يطبق الشريعة- مجتمعًا جاهليًا ولو أقر بوجود الله -سبحانه-، ولو ترك الناس يقيمون الشعائر لله في الِبَيعِ والكنائس والمساجد". ويضيف قائلاً "هاتان الفكرتان: (الجاهلية) التي أصابت المجتمعات الإسلامية -بل البشرية كافة- والتحرر منها والانعتاق من أسرها بتطبيق (الحاكمية)، هما الفكرتان الرئيستان في منهج سيد قطب الفكري، وهما الإضافة التي زوّد بها سيد قطب نهر الفكر السياسي الإسلامي. وحول هاتين الفكرتين تدور كل الأفكار الأخرى التي تصادفنا في كتب سيد قطب، وفي مقالاته، بل وفي تفسيره للقرآن الكريم "في ظلال القرآن"، كلما تعلَّق الأمر بالفكر السياسي أو بالحياة الاجتماعية".

وتبنت هذا الفكر مع تداعياته ومآلاته جماعات إسلامية، فكفرت المجتمع المسلم في الدول الخاضعة لغير حكم الله ولم يحرك ساكناً، واتهمته بأنه مجتمع جاهلي، بينما اكتفى قسم بتكفير النظام وأجهزته وأجازوا إباحة دماء من ينتمي لهذا النظام، وترتب على ذلك موجات عنف أصابت بعض الدول العربية ولا سيما مصر.

ولهذا الأمر قام حسن الهضيبي المرشد الثاني بعد حسن البنا -أثناء فترة سجنه عام 1969- بإجراء مراجعة لفكر الإخوان الذي ظهر خلال فترة الصدام مع النظام الناصري وعلى وجه التحديد ما ارتبط منه باجتهادات سيد قطب، فأكد في المراجعة على فكر الجماعة كما استقر به الأمر إبان حياة المؤسس حسن البنا، ووفقاً للأصول العشرين، وهو عدم تكفير أي من المسلمين، وأن واجب الدعاة هو الدعوة إلى الله فقط أما الحكم بالكفر من غيره فليس إليهم، وذلك في كتاب (دعاة لا قضاة)، والمشهور أن الكتاب أعده الهضيبي بنفسه فيما ينسبه بعض قياديي الإخوان إلى لجنة أعدت لهذا الغرض.

ولم يتردد الإخوان في تخطئة سيد قطب في بعض اجتهاداته، فأرجع البعض سبب ذلك إلى ظروف السجن وهول التعذيب الذي تعرض له، وأنه كسائر البشر يصيب ويخطئ وأخطأ في بعض اجتهاداته، والبعض الآخر قال إنه أسيء فهم الرجل بسبب بعض العبارات التي توهم غير ما يعتقده حقيقة.

ويظهر الإخوان حرصاً على الاستفادة من مؤلفات سيد قطب ولكنهم يشددون على التزامهم بالمنهج الذي أرساه البنا في تقديم الإصلاح والنصح للأمة، وهو ما استقر في كتابات بعض شيوخهم المعاصرين من أمثال الشيخ يوسف القرضاوي والشيخ فيصل مولوي.
ــــــــــــــــ
* قسم البحوث والدراسات-الجزيرة نت

- المصادر:
1- الفكر الإسلامي في الفكر السياسي المصري، محمد العوا.
2- الفكر السياسي للإمام حسن البنا، إبراهيم بيومي غانم.